وريقاتي

Powered By Blogger

15 أكتوبر 2016

رسائلُ اعتراضية إلى "جاهليّ" قبل الجاهلية

"لعمرك ما ضاقت بلادٌ بأهلها، ولكن أخلاق الرجال تضيق"


  • عذرًا يا عمرو بن الأهتم، كيف لك أن تقول ذلك؛ فإن بلادنا (الإضافة هنا مجازية فحسب) تضيق بأخلاق الرجال، أولئك الذين يحرّكون فيه ماءه الآسن، ويحبونه حقًّا، تضيق بهم فترسلهم إلى الزنازين.


  • بلادنا (وهنا أيضا الإضافة مجازية) تضيق بأولئك الذين يعون أن الحب الحق للوطن أنْ تعمل لأجله: فكرًا، وثقافةً، وإنسانًا، قبل أن تخلط الإسمنت بالحديد.


  • هذه البلاد، يا عمرو، تعلم أنها خداج، وتعترف بذلك، لكنها لا تريد الانعتاق من هذا الطور. والأدهى من ذلك، أنها لا تسمح لأحد بأن يفطمها من ثدي أمها.


  • تلك بلادٌ لا تعيش ظَرفها في التاريخ. إنها تذهب بهذا الظرف إلى الزنازين، فمن أراد أن يعيش الظرف التاريخي فعليه أن يأخذه من هناك. يضمنون لك الدخول إليه، لكن ليس الخروج.


  • بلادٌ ترى مواطنيها "أبناء" "أعِزّا"، لكنها تراهم أيضا قاصرين عن كل شيء.


  • هناك بلادٌ تُحيل السُّرّاق إلى التقاعد، والحُرّاس إلى الزنازين.


  • هنالك سجنٌ يتقمّص بلادًا، وسجّانًا بعمامة.


أعرف بلادا بهذه الصفات التي ما كانت لتوجد في الجاهلية. أرجو أن تصدقني. لكننا حقًا جئنا بعدكم بأربعة عشر قرنا.

14 أكتوبر 2016

النسبوية: التبرير العاجز



دائما هناك من يبرع في تبرير المواقف، حتى تلك التي يعترف هو بعدم جدواها، إلا أنّ مِن معارفه مَن يقف وراءها -وإن كان لا يملك قرارا في الأمر-، ولربما انطلاقا من واجب "المعرفة" ومقتضياتها نراه يوظّف المنطق والخطاب لتبرير وجود ذلك الموقف. بينما هذه الأدوات تقف عند حد "النسبوية"؛ ولا تستطيع الصمود طويلا في الميدان أمام الحقائق.

مدخل لا بد منه/
إن "الحقائق" المشار إليها في المقدمة، والتي لا يصمد أمامها الخطاب البلاغي والمنطقُ موجَّهُ النتائجِ، إنما المقصود بها الإقرار النفسي والداخلي لكل فرد على حدة تجاه القضايا والمواقف، وليست هي الإملاءات الذوقية على الآخرين؛ إذ إن الاعتراض بـ"من يحدد الحقائق؟" يصلح في سياق فرض الآراء والسلوكات على الآخرين، أما الإقرار الداخلي لكل فرد فأمر آخر، ولا تدخل النسبية بين المرء وذاته؛ فاللسان ترجمان القلوب كما يقال، ولا يصح الإقرار بأن ما يقال عكس ما يُعتقد في الحالة الطبيعية (في غياب الإكراه أو الخوف على النفس وغيرها مثلا)؛ وإلا فما استطعنا فهم الرسائل اللغوية بسبب يقيننا بوجود مفارقة بين المنطوق والمقصود، وهذا يضرب أصل اللغات في مقتلها (أقصد وظيفتها في الفهم والإفهام).
***
"النسبوية" هي ظاهرةٌ تبريرية سلبية، يتعلق بتلابيبها كل عاجز عن رد الفعل، فلا يجد حيلة نفسية سوى الانخراط في الفعل مدافعا في وجه ردود الأفعال، ولكي يثبت أن له رأيا وموقفا يسجل. وبسبب العلة التبريرية، انضافت واو الأيدولوجية في صياغة المصطلح؛ فهي "نسبوية" وليست "نسبية"، والفرق بينهما كالفرق بين العلمية والعلموية؛ أن النسبية مما لا يجادل فيها اثنان من ثبوت اختلافات في خصائص الأفراد وبالتالي أفعالهم وردودها، بينما النسبوية فهي توجه يعلّق أفراده كل ما يعجزون عن إقامة رد فعل عليه بشمّاعة النسبية وبالتالي يتمكنون من تبرير وجود حتى أكثر المواقف غباء. وغالبا ما تنطلق دعاوى النسبويين في وجه من يسجلون ردود أفعال حول قضية بعينها - لإنهاء حالة ردود الفعل التي تسبب حالة من الحرج إما لأشخاصهم وإما لمعارفهم وإما لمن لا يملكون تسجيل حالة ضدهم كالسُلطة مثلا؛ لتصبح النتيجةُ المحصلة هي غيابَ حالة النقد الحقيقي للأفكار وتداولها لصالح العلاقات الاجتماعية والسياسية.

يعتمد النسبويون على قاعدة النسبية، لكن ليس لإقرار الاختلاف توصيفا، بل لإقرار السذاجة والمنافحة عنها. فيقولون لك "يا أخي، الناس تختلف في اهتماماتها، دعهم وما يشاؤون". هذا حقٌّ، لكنه يراد به باطل؛ إذ إن الدعوة إلى التزام الصمت يعني غياب النقد وهو عين الباطل. لكن المراد من النقد هو تعريض القضية لأعلى درجات التمحيص حتى يستبين المعدن النفيس من الرخيص، ثم يبقى للإنسان خيارُه، ولا يُصادر منه بأي حجة كانت.

ومن أهم أدوات النقدِ الحجاجُ في إثبات صحة رد الفعل، وبطلان شكل الفعل. ولا يكاد يخلو نقاشٌ من الحجاج، ومجرد الحجاج لا يسلب أحدا حقه في الاختيار؛ حتى القرآن عندما أراد إثبات الوحدانية لله في مقابل التعددية الألوهية، فإنه حاجَجَ بقوةِ "بل هم منها عَمون"، لكنه ما أغفل "لكم دينكم ولي دينِ" في الاختيار.

إن أحكامنا التي نطلقها على المواقف تتنازعها العواطفُ من جهة، والمنطقُ من جهة أخرى، وتبرز الشخصية الفردية بمقدار الابتعاد عن الأحكام الذوقية الساذجة إلى المنطقية الموضوعية.
لكن كيف نعرف ذلك؟
في نظري، لكي نستطيع الحكم بموضوعية ينبغي النظر في مُسببات هذه المواقف، ومآلاتها، والنتائج المرجوّة منها؛ ومتى ما اتّسقت الإجابات عن هذه الأسئلة كان الحكم الموضوعي في صالح الموقف، ومتى تخبّطتْ فإنه يدل على عكس ذلك.
***
النسبوية شماعةٌ واهية، يتعلق بأسمالها كل عاجز عن النقد، مُعجِزٍ للآخرين، مُثقَلةٌ بالسذاجة والغباء، ولا تقدم شيئا حقيقيا موضوعيا.

28 يونيو 2016

مفارقات الغرب في مسامير: قربان



تبدأ الحلقة بمشهد ذلك "الخواجة"، الذي سيتضح أنه أمريكي لاحقا، وهو يتسكّع في إحدى المدن العربية التي أصابها القصف الشديد. صوّر هذا "الخواجة" تصوير الطفل المدلل، غير المكترث بكل ما يحصل حوله لدرجة أنه يترنّم مبتهجا وتعلوه الابتسامة، بيدين ناعمتين، وعينين خضراوين تتطلعان إلى الأعلى دائما.
ثم تحدث العقدة التي توجّه بقية أحداث الحلقة، وهي عقدة تتّسم بالمفارقة بين صغر الحدث وسخافته وعظم رد الفعل على المستويات الشعبية والرسمية. على الرغم من عدم تعرض هذا "الخواجة" إلى أي مضايقة بشرية من أي نوع، نجده يُشاك بشوكةٍ صغيرة، يتعامل معها كالطفل إذ يبدأ بالبكاء والعويل. وفي اللحظة الموالية ينتقل المشهد إلى ما أظنه وزير الدفاع الأمريكي الذي ينام وسلاحه النووي مُضاجِعه. يأتيه الخبر في منتصف الليل، ورغم ذلك يؤكد أنه "سيكون هناك خلال دقائق". ليقدم وزير الدفاع مؤتمرا صحفيا، فيما يبدو إنه يعجّ بالصحفيين الذين ملأوا القاعة بدليل أضواء الفلاش التي لم تتوقف.
أكّد الوزير على اطمئنان الرئيس الأمريكي نفسه على قدم المواطن الأمريكي التي أصابته شوكة في الوطن العربي. كنايةً عن الاهتمام بالمواطن أينما كان، ومهما صغر الحدث الذي يتعرض له.
يتحدث الرئيس الأمريكي مع قدم المواطن مُحمِّلًا العربَ وِزرَ الحادثة بأنّ العرب يضعون الشوك في كل مكان على الرغم من "أننا نأتيهم بالورود"، واعدًا إياه بالانتقام من تلك الشوكة. وقد أوعز الأمر إلى "الأصدقاء" في إسرائيل للقيام "بالمهمة المقدسة". وهنا سخرية/مفارقة أخرى من قضيتين: الأولى في كون الأمريكان أتوا بالورود للعرب، والأخرى في وصف العملية الانتقامية بالمقدسة مع الإيعاز بها لإسرائيل، إسرائيل التي تدّعي -في شرطها الوجودي- القداسة.
تتحول هذه الحادثة إلى قضية رأي عام في أمريكا؛ إذ يتجمهر المواطنون اليمينيون المتطرفون فيما يبدو للتنديد بالعرب والمسلمين، ويتم عمل نموذج ذهبي لتلك القدم بالشوكة، فيما يتابع ذلك وزير الدفاع في بيته مع سلاحه النووي وأطفاله الصغار منه. ليظهر فيما يبدو أنه دونالد ترامب منددا بعنجهيته المعهودة ويتوعد. 

ينتقل المشهد إلى مبنى جامعة الدول العربية. تم تصوير المشهد بالبرود الذي يبعث على النوم، وقد نام أحد "المنسقين" فعلا. كما أن البيئة بدائيةٌ لدرجة انتشار الذباب داخل المبنى. شخصيات المنسقين العرب غير سوية؛ حيث سرق أحدهم ناقل الصوت الذي أمامه ووضعه في جيبه، في إشارة ساخرة على أن السرقات التي ينفذها المسؤولون العرب هي مكشوفةٌ في الحقيقة للجميع كما أنها موثقة بالكاميرات.
الأنف الكبير في الصورة لإحدى المنسقين تشير إلى الكذب، كما تنقل إلينا ذلك عدد من القصص العالمية. لقد كبر أنف هذا المنسق العربي لدرجة أنه سقط قي كوب القهوة أمامه.
 أتى القرار الذي اتفق عليه المنسقون العرب في قضية الشوكة متمثلا في "إنشاء مغلسة للموتى العرب". وهنا مفارقتان: الأولى في الاعتباطية بين القضية والقرار؛ إذ لا علاقة بين هذا وذاك. والأخرى في الاهتمام بالمواطن العربي بعد موته بينما المواطن الأمريكي يتم الاهتمام به في حياته. 
ينتقل المشهد إلى مغسلة الموتى التي أنشأتها الجامعة العربية. مغسلة مهترئة، يعمل فيها اثنان فقط، وينتشر فيها الدم بعشوائية، المكان غير نظيف بالمرة. يتم الانتهاء من أحد الموتى ليأتي اثنان ممسكين بأعناق بعضهما البعض، يتساءل الزميلان عن قصتهما ليفترض أحدهما أنها قضيا في "خلاف مذهبي". إنه تصوير بالغٌ في السخرية مبلغًا عظيمًا. وفيما يتابع الزميلان الأخبار، يستبشران بعدد كبير من القتلى يتزايد في كل ثانية، لدرجة أن المذيع يتردد مع كل تحديث لعدد الموتى. بينما رد الفعل الدولي متكفٍ بإعراب بان كي-مون عن قلقه إزاء ما يحدث في المنطقة. 
يتساءل الزميلان، بعد زمن طويل، وبعد أن امتلأت الصحراء العربية من الموتى العرب، يتساءلان عن عدم وصول شاحنة الجثث لهذا اليوم، ويذهبان للتلفاز ليجدوا القنوات العربية ليس فيها أحد. ويستغل أحد الزميلين الموقف ليمرر سخرية صغيرة عن الإعلام الغربي المتّصف بالمصداقية أكثر من الإعلام العربي.
"لقد باد العرب كلهم" إلا هذين الزميلين في مقبرة العرب الكبرى. بقي قبرٌ واحد، وهما اثنان، يقترح أحدهما أنه سيقتل الآخر ويعده بأنه سيقتل نفسه بعده مباشرة، لكنه لا يثق به. لتأتي تلك الشجيرة التي شاكت قدم الأمريكي وتحل الموضوع؛ إذ رمتها الريح في ذلك القبر وانهالت النيران الأمريكية على الجميع وانتهت الحلقة بقنبلة نووية أمريكية قضت على الوجود العربي بذريعة سخيفة.

23 أبريل 2016

إنه يفتح الباب كاملا!

كانت لا تزال ترين عليه سكنة الصلاة، وتلك النظرة الخاملة التي تخالها ترى من خلل الحجب، عندما مر الرجل وألقى السلام نافثا معه زفيرا أعمق من منارة مقلوبة.

ابن مَن هذا الصبي؟ لست متأكدا، أراه بين فينة وأخرى هنا. انظر إليه كيف يمشي وكأنه لا يرى أحدا، يعبّ الهواء ملء رئتيه ورِئات أبيه وأمه. على الرغم من استقامة ظهره، لكن بصره خاشع. أي خشوع وأي بطيخ! هذا يريد أن يقول انظروا إليّ، أنا متنازل عن كبريائي الذي هو حق أصيل لي. سيبك منه، سأسأل الإمام عن أبيه، لعله يعرفه، إلا قل لي ما أخبار ابنك سهيل؟ انظر انظر، هذا ما كان ينقصه أيضا! ماذا هناك؟ لقد فتح الباب. طيب، يريد الخروج. لا، لا، أنت لم تره كيف يفتح الباب. وهل فتحه برجله لا سمح الله؟ لحسن الحظ أنه قصير ورجله لا تصل فيما أحسب إلى ذلك المقبض. فما الذي يضايقك إذن؟ الباكستاني الذي هو باكستاني، يتريّق بصل وخبز، ويكدّ منذ الصباح حتى الصباح القابل، خرج بطبيعية ولم يفعل ما فعله هذا الصبي الفتقة. ظلت عيناه ترقبان الرجل حتى توارى عنهما جانبا. سألتني عن سهيل، سهيل بخير حال، ربّيته على مصافحة العرب جيدا، وأدرّبه على هزّ أيدي الرجال ثلاث مرات يوميا، ويبدو أنني سأعلمه على الحذر من الطغيان. طغيان! أي طغيان أبا سهيل؟ أنت تعرف يا خميس أن الطغيان هو مجاوزة الحدّ في أي شيء: المأكل، الملبس، المجاوزة إلى أراض أخرى. آه صحيح، لكن سهيل صغير على مثل هذه المفاهيم. بل هو كبير، لكني طبعا سأراعي سنه الصغيرة؛ سأقول له مثلا: يا سهيل، إن كنت بحاجة إلى نصف كوب ماء فإن شربك الكوب كاملا يعد من الطغيان الذي نهى عنه الشرع الحكيم، وبالمِثل إذا كنت بحاجة إلى أن تفتح نصف الباب لكي تخرج فإن من الطغيان أن تفتح الباب كاملا. فتح الباب كاملا لكي يخرج! تصور! يبدو أن هذا الفتقة أحد أمرين: إما أنه معتوه، وإما أنه مخبول.. أما أنْ يكون سليما معافى ويفتح الباب كاملا، فهذا مما لا يمكن أن يكون. لا حول ولا قوة إلا بالله.

يسلم الرجل على شيخ القبيلة الذي التقاه في فناء المسجد. يستغربان من معرفة الشيخ بهذا الفتى كما اتضح من سلامه به. يذهب الرجل. يلهثان خلف الشيخ. من هذا الفتى يا شيخ؟ هذا خالد ابن حياة أحمد عبدالله. أحمد السفير؟ هو هو. ونعم بالوالد والولد. ينصرف الشيخ. يبدو أن حياة الرجل في الخارج من دولة لأخرى قد أورثته الاتزان في نفسه. نعم، إنه هادئ ولم يفعل خطأ. عموما، فتح الأبواب كاملة يجنّبنا الاصطدام بقادمٍ لم ننتبه له. إن هذا الفعل ليدل مما لا شك فيه على ذهنية متّقدة تستشرف المستقبل جيدا قبل الولوج فيه. كيف لنا أن لم ننتبه لذلك! لا عليك، الدنيا تعلّم من لا يتعلم، أنا سأذهب إلى مكتب مقاولاتي. وأنا أيضا سأذهب إلى دكاني.

16 أبريل 2016

تذوّق يتذوّق تذوّقا!

لقد هوى (أبدأ قولي بلقد التي تأتي في جملة جواب قسم محذوف) مستوى ما يقدم عبر وسائل إعلامنا العربية المختلفة (بوصفها أداة)، وأصبح في قاع مظلم. لقد غدا فأسا يصنع عقولا متشابهة، وذهنيات مسطحة. إن إعلامنا عبارة عن عملية يبدو أنها مخطط لها لتغييب الأفراد، وصرف انتباههم ناحية مواضيع لا تصنع وعيا أبدا. ويكفيك لتتأكد من صحة هذا الادعاء أن تفتح إذاعة محلية وأنت تقود سيارتك من بيتك إلى مقر عملك لتنبعث رائحة الهراء (وأظن أن هناك علاقة وثيقة بين "الهراء" و"الهرّان") مما يقدم. لعل أبسط مثال هو انتقالنا من الاستماع إلى "فكروني" أم كلثوم إلى هراء "أنت معلم واحنا منك نتعلم". أتحدث هنا عن البرامج الحوارية الطويلة، لا تلك الوجبات السريعة. كان ذاك تقديما لما سيلي قوله.
***
تتردد كثيرا في الأوساط المحافظة، والخطابات الأخلاقية، مقولةٌ استطاعت أن تعبر إلى المواد القانونية والدستورية، على الرغم من مطاطيتها، والضبابية التي تحملها، والنسبية التي تصل حد التشتت في تفسيرها. إنها مقولة تمثل فعلا ما ادعاه الجابري في مشروعه النقدي للعقل العربي من أنه عقل أخلاقي بامتياز – إنها مقولة "الذوق العام". لازمت هذه المقولة سياقات متعددة: ابتداء باللغة (الكلام)، وليس انتهاء بلون واجهة البيت. لكن السؤال الكبير التي يمتحن هذه المقولة، ويجعل مردديها من المحافظين في حيرة: ما الذوق العام؟ ومن الذي يحدده ويرسم حدوده؟
في نظري، هذا السؤال المفخخ مشروع جدا. أقول إنه "مفخخ" لأنه يُضمر تقويضا لنسق أخلاقي اجتماعي، ويراد منه تمرير فكرة غير مقبولة. وأقول إنه "مشروع جدا" لأنه يستفز الوعي الجمعي ليُعيد النظر في بنائه المعرفي، ويستعيد ذاته المستلبة (إما في الماضي، وإما شرقا وغربا) بعيدا عن الهوية.
يظن المحافِظ أنه يجيب فعلا عندما يقول "إن المجتمع هو الذي يحدد ذوقه العام". لكن، في الحقيقة، هذه ليست إجابة؛ لأن المجتمع المقصود هنا هو ذلك الكيان الاعتباري المتكون من عدد من الأفراد، ولا يمكن لكيان اعتباري، غير موجود في الخارج ككائن مستقل، لا يمكنه أن يفعل شيئا، فضلا عن صناعته لنسق ذوقيّ. إذن، فما هذه الإجابة سوى مغالطة منطقية تشتت الانتباه عن الفكرة في ذاتها، وتنقل التركيز ناحية التفكير في كيفية صنع المجتمع للذوق، بينما لا وجود موضوعيا لذلك الجسم أصلا؛ وبالنتيجة يضيع الاعتراض المشروع.
إن الإجابة الأدق في أن نحيل مسؤولية تلك الصناعة إلى أشخاص بعينهم، يتحملونها. وإنني أظن أن /ر هذا الذوق منوط بمجموعة من النخب الثقافية والسياسية (يمثلون الرموز) التي يشترط فيها المقبولية عند عدد كبير من الأفراد (يمثلون الجمهور). ومن هنا ينبغي الانطلاق في بحث تلك العلاقة بين الفرد ورمزه في أي مجتمع؛ من أجل وضع أرضية موصوفة ننطلق من فوقها لنستطيع التغيير فيها.
لعلنا نُجابه بالسؤال/العلكة: من هم النخب الثقافية؟ وما تعريف الثقافة؟ ومن هو المثقف؟ في الحقيقة، هذه أسئلة مغالطة كذلك؛ فالثقافة –في أبسط تعريفاتها- أسلوب في العيش، وهي الفنون والآداب اختصارا. وبالتالي فإن المثقفين هم أولئك الفاعلون في هذه المجالات. من حقنا أن نتساءل: هل يعني هذا أن يضع المثقف المسؤولية المجتمعية على رأس قلمه كلما أراد الكتابة عن قضية بعينها؟ نقول إن هذا المجتمع هو كل تلك المعارف والآداب التي صنعته وجعلته على ما هو عليه؛ فالمجتمع أثرٌ، فلا ينبغي قلب المفاهيم لنجعل الفاعل في صنع المجتمع أثرًا؛ فالمثقف حر في صياغته للمجتمع وتحولاته.
صحيح أن هذا الكلام يفترض خلو ذهن الجمهور، واستعداده للتلقي، وهذا أمر بعيد إلا على الورق، إلا أن له حظا من الصحة؛ إذ أن العلاقة بين الرمز والجمهور تكون دائما فاعلة ومؤثرة (من المرسل إلى المتلقي)؛ حيث إن الجمهور (لا سيما النفسي منه) منشدهٌ للرمز حالة كونه جمهورا. لكن ماذا عن وعي الأفراد بعيدا عن كونهم جمهورا؟
حسنا، هنا ينبغي التفريق بين مستويين من الخطاب (بالنظر إلى المتلقي): مستوى جماهيري، ومستوى فردي. فالأول، في طبيعته، مشحون بالعاطفة، ومستوى العقلانية فيه منخفض، في حين أن الخطاب الفردي ينبغي أن يكون على العكس؛ لأن مستوى الوعي عند الفرد، حالة فرديته، يكون عاليا مقارنة بحالة الجمهور. وهذا يستتبع وجود كلا المستويين في الخطاب الثقافي والسياسي.
ثم إن هناك اعتراضا آخر، متمثل في ذلك التفريق الفج للبشر إلى "نخبة" و"عامة"، مفترضين في النخب مدى أوسع للوعي وعمليات الإدراك، مقابل ضيق ذلك عند العامة. إن هذا الاعتراض مفرطٌ في رومانسيته، ولا يعمل سوى لتكريس فكرة المحافظة، وتعطيل عمل المثقف. إذ إن الرموز تملأ مساحة واسعة من وعي الأفراد المستعدين للتضحية بدمائهم وذويهم إذا ما أشار الرمز إلى ذلك؛ مثل: "نموت نموت ويحيا الوطن".
***
يحق لنا أن نتساءل، ونحن نعيش التدفق المعلوماتي للمعارف والخبرات: هل تسمح الوسائل الحديثة للنخب بأن تعتلي منصة "النخبة"؟
كتب الناقد السعودي عبدالله الغذامي كتابا مهما بعنوان "الثقافة التلفزيونية"، وأردفه بعنوان صغير "سقوط النخبة وبروز الشعبي". حقا، إن عرش النخبة يهتز من تحت الجالسين عليه، لكن هذا لا يعني انتفاء وجود الرمز عند الفرد الذي يعيش العولمة؛ إذ يبقى الرمز موجدا حتى وإن اختلف ممثله بالنسبة له. إن الذي فعلته هذه الوسائل أنها صدمت الجمهور ببشرية تلك الرموز، الأمر الذي ولّد رد فعل حانق لرفض مقولة "الثقافة" و"المثقف". لذلك أجدني مضطرا إلى التفريق بين المثقف في حالته الثقافية، والمثقف في حالاته الأخرى؛ وذلك حفاظا على أن يكون الرمز مثقفا وليس ميكافيليا أو شوفينيا أو حالما بثيوقراطيا. لكن، طالما صعب على الفرد أن يفرق بين الحالتين، فإنه ينبغي على الثقف "أن ينتبه للأشياء التي تجعله هو" (على حد تعبير باموق).
***

في المحصلة نقول إن مقولة "الذوق العام" تعبيرٌ عن المعايير الأخلاقية المقبولة في المجتمع، تصنعها النخب الثقافية والسياسية الفاعلة التي –لا شك- أنها تعاني تهديدا وإقصاءً بفعل التدفق المعلوماتي الرهيب؛ فعلى هذه النخب أن تتحرك في سبيل إعادة الاعتبار للفن الرسمي (الذي تتبناه الدولة) كونه صانعا للوعي، بعيدا عن ترديد عبارات المحافظين في الاحتراز من خدش الذوق العام المتردي أصلا.

2 أبريل 2016

في أن تلتقي سليمان الحراصي

بم كان يفكر ذلك الفتى، الذي ولدته الجبال في فجر خريفي في خصب، عندما صادف أن يكون في مصفوفة أصدقائه رجلٌ لم تلده الجبال في فجر خريفي في تلك القرية التي تلعب دور المختبئ في جلباب الحجارة. ما الذي كان يدور في خلد صاحب الشارب الطارّ حديثا، واللحية التي اكتشف العالم لاحقا أنها لن تدوم طويلا، كحال بقية الأشياء في حياته.

إن هذا الرجل يُبدي أُلفةً جذّابة، بابتسامته الفاتنة التي أغوت ما يقرب من نصف إناث كلية الآداب، ونيّف من بقية كليات الجامعة اللواتي اصطدمن به في فعالية أو أكثر. ابتسامته الخَجلى تشعر أنها تستقر عند خاصرتك، لا ترتفع حتى إلى وجهك حياءً. طريقته في المصافحة تختلف؛ فكلما كنت قريبا زاد ضغطه تعبيرا عن حرارة العاطفة. حديثه مع أي شخص يأخذ مسارا واحدا في كل مرة؛ في كل مرة يكون الآخر هو محور اللقاء. هو -لغايةٍ في نفسه- يجعلك تشعر بأنك متفرّد، ومختلف عن الآخرين. شخصيته هذه، جعلت الفتى، وأجزم أن غيره كثيرون، يبوح أمامه بأخص الدقائق في حياته. وبينما يكون في حالةٍ كهذه، يشعر بشيء غير مفهوم: لا هو شعور التعرّي أمام أحدهم، ولا هو شعور الارتياح من البوح. ميزته هذه جعلته غامضا على الرغم من ظن الكثيرين أنهم يعرفونه جيدا. الفتى نفسه ليس متأكدا من أنه يعرفه جيدا. ما الذي كان يبصره هذا الفتى عندما رأى ذاك الرجل؟ إنه لا يدري كيف عرفه. لقد كان ذلك فحسب. وبعدما حدث التعارف، لم يعد ذلك الفتى السلفي سلفيا، ولم يعد يبصر فحسب؛ فقد بدأ بأنْ يرى. عندما يتأكد ذلك الرجل من صفاء سريرتك (مع أنه لا مشكلة لديه في أن تكون ديوثا طالما أنه لا يطلق عليك "صديقي") فإنه سيؤوّل كل فعل يبدر منك، مهما كان خليعا، تأويلا يجعل منك ملاكا، وفي أسوأ الأحوال: هي نزوة عابرة. لم يشكل إلحاد الفتى فارقا كبيرا في محبته له، كما لم تفعل سلفيته السابقة ذلك؛ فبقي صديقا، و ظِلًا صادقا. لم تبدر منه نأمةٌ إزاء تركه للصلاة، مع محافظته الشديدة على أدائها في وقتها. لقد كان نعم الخِلّ عندما ارتمى الفتى في حضن أم الخبائث بحثا عن حبه الذي تتقاذفه الريح، ولم يجده. لقد أهدى ذاك الرجل ذلك الفتى عطر "أندلس" التي توقفت شركة أمواج عن صناعته. إن الفتى يحب أن يعطّر أباه به ويقول إنه هدية ذلك الرجل النادر. إن الفتى يشعر بالارتياح بالقرب من هذا الرجل، ولا يحتاج الكلمات لتُفهَم حالُه.

ها قد عاد الفتى إلى جباله في الشمال، ولا زال ذلك الرجل عالقا في شوارع مسقط، يقطعها من الخوض حتى الغبرة صباحا، ومن الغبرة إلى الخوض عصرا. لكن دون أن يكون في انتظاره فتًى يعاقر الكرك صباح مساء. الحق أنه أصبح لا يقارعها صباح مساء. إنه، حاليا، يكتفي بواحد ليومٍ أو أكثر. 

29 مارس 2016

قولة في المجتمع المدني

يطرح برتراند راسل، في كتابه "الفرد والسلطة"، جدلية العلاقة بين هذين الطرفين. أقول "جدلية" لأنها مطبوعة بذلك منذ نشأتها؛ فالفرد والسلطة في حال صدام مستمر فيما بينهما. منشأ هذا الصدام هو الاستلاب المرضيّ عنه لجزء من حرية الأفراد لصالح بناء كيان كبير، من مجموع تلك الحريات يُفترض به حماية الأفراد من قتال بعضهم لبعض. يرى راسل أن التقاتل غريزة أصيلة في الإنسان، أو فلنقل بلغة فرويد "دافع غريزي" على اعتبار مراعاة اختيار الأفراد لأفعالهم في مقابل الجبر الذي توحي به كلمة "غريزة" وحسب. تلك الدوافع التي وفت في بقائها مع الإنسان على الرغم من انتقاله من الغاب إلى الكهوف، في رحلته للحفاظ على نوعه، بسبب تطور مهاراته في استخدام يديه. ومع تمدّن الإنسان، فإنه بات يعدّل من الأشكال التي تنتج من دوافعه الغريزية تلك؛ فابتكر مثلًا التنافس الأولمبي، بمختلف رياضاتها، لينفّس عن دوافعه الخبيئة في التنافس والاقتتال.

إن هذا التعديل لدوافع الاقتتال نشهد له نظيرا على مستوى العلاقة بين الفرد والسلطة. فمن منطلق أن وظائف السلطة الرئيسة هي المحافظة والطمأنينة والعدل، فإنها ستدفع الأفعال التي تهدد المحافظة والطمأنينة. وبالمقابل، فإن من طبيعة الفرد أن ينزع إلى الإبداع والتجديد، وهو ما يتعارض صراحةً، من حيث المبدأ، مع وظيفة السلطة/الدولة؛ فينشأ الصدام بينهما. ولما كان لزامًا أن يتعدل شكل الصدام، ليأخذ شكلا آخر غير دموي -إن جاز التعبير-، شكلا متمثلا في مؤسسات المجتمع المدني.

على هذا، يمكن تعريف هذه المؤسسات بأنها وسائط بين الأفراد والسلطة، ليس ذلك فحسب؛ فهي كذلك -على حد تعبير الشبستري- جماعات ضغط على السلطة لتحقيق نزعة الأفراد المتمدنين في الإبداع والتجديد في مجال الحريات بالمقام الأول. لذلك كان لزامًا على هذه المؤسسات أن تأخذ شرعيتها من المجتمع أولا، لتحمل قضاياه وإبداعاته وتحققها، وتدافع عنها في وجه السلطة إن تطلب الأمر ذلك.

هنا، أستحضر قولة فيصل العامر "كل حراك ثقافي لا ينتمي للشارع هو مشروع عاجز". والحق أنه يمكنني أن أحوّرها لتكون: كل حراك لا ينطلق من الشارع فلا مُعوَّل عليه. لكن السؤال هنا، هل الشارع على وعي كافٍ ليأخذ المبادرة تجاه قضايا الحرية؟

شخصيا أرى أنه تم تسطيح وعي الأفراد من خلال ما يتعرضون له في الإعلام، ويستقبلونه في المناهج التعليمية. فلا نكاد نستمع إلى إذاعة محلية حتى تتقزز من سطحية الحوارات التي تمتد لساعة على الأقل، بينما البرامج الجادة لا تطول لأكثر من ربع ساعة. أما المناهج التعليمية فلا تقترب ناحية المسكوت عنه مكرسةً بذلك مستوًى مرضيًا عنه من الوعي الزائف، حتى إننا لا نستطيع إطلاق هذا المصطلح على هذه المعرفة؛ حيث إن الوعي هو إعمال للفكر في القضية المُدرَكة، بينما الحاصل أنه تلقين مُغلَّف بما يشبه التبرير. كل ذلك بعيدًا عمّا يستفز الوعي حقيقةً ليتّسع، وبذلك تكون السلطة وفيةً لوظيفتها في المحافظة والطمأنينة. فيبقى السؤال المطروح؛ أين دور مؤسسات المجتمع المدني في خلق وعي الأفراد؟

شخصيًا أرى أن الدور الأول الذي ينبغي على تلك المؤسسات أن تقوم به هو ترميم الوعي المُسَطَّح لدى الأفراد عن طريق استفزاز وعيهم بالثقافة الحقوقية والسياسية، من ثم نستطيع أن نتحدث عن دور حقيقي لمجتمعٍ مدني.

29 يناير 2016

الحرية المسروقة

"أنا رجل (هكذا يفترض) عشريني ممتلئ قيحا، استنفد كل فضيلة ممكنة في سنواته الثلاث ما قبل الجامعة. الحقيقة أنها أبغض السنوات على الإطلاق رغم أنها (كما يقول) وضعت إحدى قدمي في نعشي، فيما تكفلت سنوات الجامعة بوضع القدم الأخرى فيه. أقصد بالنعش حياتي التي اكتشفت أنها لم يعد فيها ما يمكن أن يكون جديدا. النعش وطن ترَفيّ غير متوفر فوق كوكب الأرض، لعل تحتها واحد، لا يشترط فيه النزوع إلى الكمال، يكفي الوجود. لقد تلكأت غير مرة قبل أن أقرر إن كانت بغيظة فعلا، إلا أني استقر بي القرار إلى البغض بحجة أنها كرة حديدية من تلك التي رأيتها في صغري مربوطة إلى أقدام المسجونين في الأفلام الكرتونية. إني متورط بها، إنها تعيق تحركي. تهدد هويتي. أخشى إن ذهبت إلى الحداد وتخلص منها أنْ يخطئ الحداد فيبتر قدمي لأبقى طوال حياتي بلا قدم. كم اعترفت لنفسي أن ذلك لا يعدو كونه وسوسة أوهام المجتمع، وأن علي التفرد واتخاذ سبيلي دونه. كم رددت أن على الناس أن يتخلصوا من العلاقات التي أوهموا أنفسهم باحتياجهم لها. هي علاقات مدارها حول فلك الحفاظ على امتداد النوع البشري ومكافحة الفناء. لكن ماذا إذا انفرط عقد الفلك وتداعت أجرامه على صفحة الوجود؟ حينها لن يكون ثمة دافع أو معنى من هذه العلاقات، حينها فقط سيكون المرء حرًا في اختياراته، متحررا من عقد الذنب عندما يحدق في صدر عشرينية يفور منها الشبق، غير مكترث لرأي من يكشفه وهو يأخذ قياسات مؤخرة امرأة أخرى تبث منحوتات الله أمام عينيه، قادرا على استيقافها وإخبارها بمدى فتنتها وإعجابه بها (مع تأكيده على عدم علاقة ذلك بالحب من قريب أو بعيد). حرا بتمكنه من تعريتها انتقاما من رجولته المستفزة، ومضاجعتها افتراضيا. حرا كي يتمكن من رفع أوسط أصابعه في وجه كل سخافة يراها في الشارع. تلك الكرة الحديدية خفّت في سنته الجامعية الثانية عندما بدأ اكتشاف شيئه وسوائله، خفت أكثر بمراقبته لعود السيجار المشتعل دون أن يسحب منه نفس واحد، وأكثر عندما غزا الدخان رئته الوردية ثم نام بلا مشاكل، وأكثر كثيرا عندما أدار الكأس بيده قبل أن تلسعه لذعته. (قال لي مرة:) ماذا سيبقى لي لو تحققت أحلامي تلك سوى ألا يبقى لي شيء فوق الكوكب؟ يريد ألا يكون عليه واجب تجاه أحد (على افتراض أنه حر تماما)، ولا ينتظر منه أحد شيئا. وفي المحصلة: أنا حي بحياة أحلامي، وأبقى ثابتا بثقل كرة الحديد هذه (ويشير بأصبعه إلى واحدة افتراضية)"

هكذا يُشعرني صديقي بالضجر منه؛ فطبلة أذني -كباقي طبلات آذان البشر- من حقها ألا تسمع الهراء.

ملاحظة/ ما بين القوسين زيادة مني.

13 يناير 2016

القراءة.. فعل تأويل الموجودات

يشكل كل فعل قراءة فتحا جديدا، يوسّع الوعي تجاه الموجودات اعترافا بها، وإدراكا، وتفسيرا. هذا "الفتح" بمثابة هدوء النفس إزاء قلقها من المجهول الذي يكتنف الموجود المُعتَرف به. هو فتح لأراضٍ توسّع الوعي فيها، فاشتملها. يظهر على السطح هنا تساؤل: ما "القراءة" المقصودة؟ وكيف يمكن لها أن توسّع الوعي؟

أخذًا بلحاظ السياقات التي تُستخدم فيها لفظة "القراءة": قراءة الواقع، الموقف السياسي، المستقبل - ينكشف لنا أن المعنى المراد لم يعد ذاك الواقف على حدود فك الرموز المرسومة الدالة على مدلولات مُصطلح عليها. إن الأمر يتعدى ذلك إلى النظر في التعالقات بين الدوال تلك، والنظر فيها على أنها عناصر في نسق نظاميّ معرفي، يعكس هذا النسقُ بنية عقلية تقف خلف المقولات، يمكن تسميتها "اللامقول" على غرار "اللاوعي". وبالقياس نفسه، يكون اللامقول أكثر من المقول المتلفَّظ به. في هذه المنطقة ينشط فعل القراءة، مُحدِثًا سلسلة من الإحالات والتأويلات. 

إن كل قراءة هي فعل تأويل. فكما أن النص غير بريء من الدلالات التي يحملها، كذلك القارئ غير بريء من الدلالات التي يصنعها. أليس القارئ يأتي إلى النص مُحَمَّلًا بحَمولات معرفية تكون بمثابة مرجعية تأويلية للمقروء، بوعي أو بلا. ليست هناك قراءة تنطبق مع مُراد الكاتب تماما. عليه، تظهر على السطح إشكالية وجود الموضوعية في القراءة. هل هناك موضوعية حقيقية في هذا الفعل؟ إذا عنينا بالموضوعية أنها توافق فهم القارئ ومراد الكاتب، فإنه برأيي، ليست هناك قراءة موضوعية. فالموضوعية تتطلب فصلًا بين ذاتية القارئ إزاء ما يقرأ، وهذا يعني إقصاءً للذات الواعية التي تَشكّل وعيها تحت ظروف معينة، وبعد قراءات متباينة. تغدو الذات غير الذات بعد سلسلة البحث والتساؤل، التي يسميها فوكو "الروحانية"، إذ تتطهر  بعملية القراءة ويعاد تشكيل الذات. إن ذات كل واحد منا توصف بحصيلة بحثها وتحصيلها؛ فأحدنا قد يجمع النبي محمد وأفلاطون ونيتشه والجابري والكندي وابن سينا - بمقدار ما قرأ. فنحن لسنا أنفسنا تمامًا. إن القراءة تحمل خطيئة التأويل بالضرورة، لكن خطيئة ادّعاء انفصال الذات أثناء فعل القراءة أعظم افتراءً.

نعني بالتأويل هنا نظام الإحالات الذي يبنيه القارئ في محاولة لفهم المكتوب. ولكن، كيف نضمن أن نظام الإحالة هذا سليم، أو أنه فعلًا يُحيل إلى ما أراده الكاتب؟ افتراضًا أن فعل القراءة السليم هو الذي ينسجم ومقصد الكاتب، فيكون فعل القراءة (التأويل) السليم هو الذي يتناغم مع فكر الكاتب، وهذا يتطلب تتبعًا لاهتمامات الكاتب من قضايا وقراءات ونشاطات. ليصبح فعل القراءة مهمة صعبة، والأحكام أقل تقريرية، وبالتالي أقل حدّة، أكثر قبوليةً للآخر. وهذا عين الوعي الذي نشدناه في البداية.

10 يناير 2016

السارد المسرود في تجربة محمد اليحيائي

جريدة الزمن

١٠ يناير ٢٠١٦

إنما السرد هو ذاك الذي يجمح في عالم الخيال، تلك القدرة المهيبة على صنع المعنى عند الإنسان، ذلك البعد المختفي خلف كل الموجودات المدرَكة. واللغة، بما هي أداة تصنع الفكر، على رأس تلك الموجودات. وإذا كان عالم النفس السويدي فرانكل قد أفصح بأن شغف الإنسان الأوحد متثمل في صنع المعنى لوجوده، فإن السارد، بالتالي، يقوم بدور الخازن على الحياة، المؤتمن على أرواح الناس الشغوفين بالأدب على الأقل، بما يخلقه من عوالم تخييلية، لا تمت إلى الواقع بصلة، كما أنها ليست غريبة تماما عليه؛ فهما (الواقع والخيال) في علاقةٍ مشبوهةٍ بين المحايثة والمفارقة، علاقة تجعل السارد نبيا موحى إليه بصوت متعال.
اعتدنا رؤية محاكمة القارئ إما للسارد، وإما -وهذا في أحسن الأحوال- للنص. وهذا الأمر أصبح طبيعيا في العلاقة بين السارد والقارئ، النبي -أو مدّعيها- وجمهور المتلقين. أما أن يتمرد السرد على سارده، أن يثور مؤمن على نبيه، أن نرى محاكمةً، بل خروجا تاما على المتفضّل بنعمة الخلق والإيجاد، خلق الشخوص والأمكنة والأزمنة، فهو مصدر دهشة لا تنطفئ نارها بسرعة. هذا بالضبط ما فعله محمد اليحيائي في نصيه: الأول “سلطان الرماح” المنشور في مجموعة “يوم نفضت خزينة الغبار عن منامتها” (المكتوبة بين 1995-1997)، والآخر “سلطان الرماح يسرد حلما أفسدته مياه حلم سارد آخر” المنشور في مجموعة “طيور بيضاء، طيور سوداء” (المكتوبة بين 2000-2004)، وقد نشرت كلتا المجموعتين، بالإضافة إلى مجموعة “خرزة المشي”، في كتاب واحد حمل اسم “نزهة مارشال”، صدرت عن دار مسعى البحرينية، 2016.
مجمل الحكاية أن سلطان الرماح، المخلوق للسارد محمد اليحيائي، قد ثار، بعد اثنتي عشرة سنة، في القصة الثانية على سارده/خالقه، غيرَ راض عن الطريقة التي تمت التضحية به من خلالها، حسب تعبيره، مقررا أخذ راية السرد ليسرد حقيقة ما جرى في القصة الأولى. هنا، يحق لنا أن نتساءل: لماذا قد يعود السارد إلى نص عمره أكثر من عشر سنوات ليعيد النظر فيه، وهي مخاطرة كبيرة أن يحاول ذلك؟ ما الذي فاته قوله في المرة الأولى ليحمّل –مجددا- بطله قضية تعديله؟ أم أنها مجرد حيلة سردية لجذب القارئ؟ ما المختلف في القصة الجديدة؟
العنوان
إذا وقفنا عند عنوان كلا النصين نستطيع استجلاء إشارات سردية تدل على طريق السارد في عمله. فـ”سلطان الرماح” يعود، بعد اثنتي عشرة سنة، لـ”يسرد حلما أفسدته مياه حلم سارد آخر”. إن الدلالات تتهاوى تبعا للعنوان الأول؛ فدلالات السلطة والرئاسة تصطف خلف كلمة “سلطان”، ودلالات القوة والقهر والسطوة تصطف هي الأخرى خلف “الرمّاح”، هذا على اعتبار قصدية السارد في اختيار عناوينه وأسماء شخوصه، ويؤكد ذلك أن “سلطان الرماح الأول” حينما مات أعلن نهاية رجل “دوّخ الدولة”. إذن هناك حُلمان: أول رآه سلطان، وثان رآه السارد. لكنه سارد “آخر”، في محاولة للتملّص من خطيئة السرد الأول. وهذه سنة سردية عربية قديمة يتبرّأ الكاتب من خلالها من نصه بأنْ يُحيل نص السرد لآخر، عادة ما يكون مجهولا إما بصيغة التمريض (المبني للمجهول: يُحكى، قيل)، وإما بالإضمار (سمعتُ، أخبرني)، وإما بالإحالة إلى راو مجهول (عيسى بن هشام، هلال بن إياس).إننا نقف هنا إزاء احتمالين: الأول أن يكون اليحيائي متبرّأ من سرده ذاك، لكن ليس تماما؛ إذ لا زال سلطان الرماح خليقة اليحيائي الذي يحكي عنه أنه “يسرد حلما أفسدته..”. والاحتمال الآخر أن “السارد الآخر” المقصود هو اليحيائي مُنكَّرًا غير معرَّف، ويوصف بأنه “آخر”. هكذا بكل ما تحمله كلمة “آخر” من دلالات العداء والاختلاف، في مقابل الأنا الشريفة، وبذلك يكون السارد هو سلطان نفسه، لكن مسموحا له بأخذ السرد من يد، ومن قِبل، اليحيائي. في القصة الأولى، أتبع الساردُ العنوانَ بقولة لأنطونيو ماتشادو: “أيها السائر ما من طريق.. تتحدد معالم الطريق بمقدار ما تمشي”. إننا أمام سلطان/ رجل سلطة، سائر في طريق تتحدد معالمه بمقدار ما يمشي. يأتي اليحيائي لا لينفي وجود طريق يرقها سلطان، بل –على الأرجح- أنه ينفي صحة ظنون ذلك السائر في سبيل السلطة (أو الحب كما سيتضح لاحقا).
ولكن ما المياه المذكورة في العنوان التي أفسدت حلم سلطان الأول؟ لا شك أنها مياه السارد الأول الجارفة أو هي المياه التي ضاع فيها السرد وتموّه، وأصبح شيئا غير واضح/ناضج.
السارد واجدا موجودا
إن سطوة السارد العليم في القصة الأولى تخف، حتى تكاد تتلاشى مع الدهشة الناشئة من ثورة “سلطان” على اليحيائي؛ إذ ينتقل الخطاب من لسان الغائب (كان سلطان، بلغ، طريقه..) إلى لسان المتكلم (أُدعى، أبي، مُبتكري..)، فيصبح السارد موجودا بعد أن أصبح واجدا، والواجد موجودا. ورغم الانقلاب على مستوى الخطاب ذاك، إلا أن المسرود الأول (سلطان) حينما تسلم راية السرد فإنه لم يفعل سوى رد فعل حانق على طريقة سرد السارد الأول (اليحيائي)؛ فاليحيائي لم يدفعه للسرد “سبب أو مبرر واضح سوى رغبته، ربما، في ساعة ضجر وبرم بالحياة، في كتابة قصة قصيرة”، فاللاجدوى الدافعة أنتجت سردا مغالطا عليه تصحيحه بسرد مواز. يتضح الانقلاب السارديّ حينما وُصف سلطان حينما استيقظ بـ”منقبض السريرة” في السرد الأول، بينما أكّد على انفراج سريرته في السرد الثاني، بل وبرّر الانفراج ذاك بما لا يدع مجالا للشك فيه. ردة فعل الشخصية البطل هذه تشير إلى وعي السارد بمطلقية قدرة الكاتب على الخلق، ومن ثم تسيير المخلوق كما يهوى حتى وإن كان على حساب طمس إرادة الشخصية وتضييق خناق احتمالات تصرفاتها في مصفوفة أحادية من القدر يوجدها الكاتب. ولذلك بدا صوت السارد الثاني (الذي سرد بعد اثنتي عشرة سنة) أكثر مقبولية كونه يقف خلف الشخصية لا فوقها كما في السارد العليم في القصة الأولى؛ فهو يدفع بالأحداث حدثا حدثا، ويبرر تلك الأحداث مفسرا الحالة النفسية التي أنتجت الحدث، بينما على الطرف الآخر يراقب السارد أفعال مسروده من أعلى دون اعتبار لحالته النفسية التي دفعته لهذا الفعل أو ذاك. ولعل هذه المقبولية متأتية من البون الشاسع بين تاريخ السردين.
تصحيح الإحالة
نقصد بالإحالة ذلك المشار إليه، المعنيّ، المدلول، المقصود من الدوالّ أو الإشارات المذكورة في نظام لغوي معين. ولكل نظام إحالاته الخاصة به الناتجة عن التجربة البشرية، والتعاطي مع الدوالّ أو الإشارات. وقد يختل نظام الإحالة نتيجة لاختلاف المرجع الذي يَؤول إليه كل مؤوِّل على حدة. اجتهد السارد الثاني (سلطان) في أنْ يصحح الإحالات التي قد تُفهم على غير ما أريد من وضعها أول الأمر مع السارد الأول (اليحيائي)؛ فـ”شيراز” التي “فكر بها سلطان أول ما فكر” ليست “مدينة الحب والشعر والنبيذ التي في إيران”، بل هي “حقل نخيل كثيف الظلال”. وحين وصف اليحيائي البيت بالعتاقة، أصر الرماح على جدة البناء، ولم يكتف بذلك، بل سخر من وصف السارد بأن ذلك الوصف “لا ينطبق إلا على بيت ينتمي، ربما، إلى مئة سنة مضت، أو لا ينتمي إلا إلى خيال كاتب تلك القصة، خياله الذي يمكنني وصفه بالمشوش”. ثم مجددا ينفي سلطان حقيقة السرد الأول الواصف لسريره؛ فهو “سريري الذي لا يشبه كاتلي الصاج القديم الذي في القصة آنفة الذكر”. ولعله من واجب السارد الثاني أن يدفع أي ظن بسلطان، الوريث الوحيد لمجد الرمّاحين؛ فهو لم ينو اقتفاء أثر شيراز طمعا في استعادة مجد ضائع، بل كان حلمه متعلقا بمجموعة فتيات يداعبنه. سلطان الرماح إذن زير نساء “ليس من النوع الذي يمكن أن يصبح زوجا في يوم من الأيام”، ولا سلطانا.
إن تدخل سلطان، أو ثورته، لم تكن ناشئة من العبثية التي تمتع بها السارد الأول، بل هو تدخل مشروع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من “النهاية السريعة والمفاجئة للقصة”، ولأجل “اقتفاء أثر جدي الأول سلطان الرماح”. فإحساس سلطان بخداج القصة، ونقصان نموها على المستوى السردي أدّى إلى خطأ الإحالة في مسرح موت سلطان الرماح الأول، وبالتالي ضياع أثره بين شيراز الإيرانية، و”شيراز” حقل النخيل الكثيف.
***
إن الإشارات السردية آنفة الذكر لا تترك لي سوى تساؤل بريء؛ مفاده: هل كانت القصة الثانية، يا ترى، شيئا غير محاولة لصنفرة سرد أوليّ لكن بحيلة سردية ذكية؟ إن اليحيائي سارد متمكن، استطاع منح القصة التي رآها غير مكتملة أهمية كبيرة بربطها بقصة أحكم سردا وتماسكا.

29 ديسمبر 2015

المستمع/المغني

كان لذلك المقطع الغنائي الذي أرسله لي ذات صباح الصديق العزيز جدًا سليمان الحراصي - وقع سحري لا يزال أثيره يخيّم عليّ كل يوم، وكل ليلة. ولاء الجندي، اللبنانية الشابة التي شاركت في برنامج "أحلى صوت" (النسخة العربية من The Voice)، غنّت أبيات أحمد شوقي الشهيرة "مضناك جفاه مرقده" ملحنةً بألحان العظيم محمد عبدالوهاب.

ساءلت نفسي: لماذا كلما أستمع لهذا المقطع بالذات أشعر أني أسمعه لأول مرة؟ لماذا في كل مرة تتملكني هذه الكلمات؟ لماذا لا تفقد هذه الأغنية بريقها في داخلي؟ لماذا الأغنيات الأخرى تتضاءل دهشتها في كل مرة؟ لماذا غيري لا يشعر بما أشعر به نحو هذا المقطع بالذات؟ لماذا للأغنيات وقع مختلف عند كل متلقٍ؟

دفعتني هذه السؤالات لأنْ أستمع لكل المقاطع الموجودة في يوتيوب لمُغنّين غنّوا الكلمات ذاتها؛ بدءًا بمحمد عبدالوهاب نفسه، أنغام، محمد حسين، رشيد غلام، أحمد جمال، عبدالله الرويشد، ساندرا حاج، وليس انتهاءً بحسين الجسمي. هدفت في كل مقطع استمعت له أن أختبر الدهشة، الشعور الغريب الذي لا يتضاءل مع أداء ولاء الجندي. وعلى الرغم من أن هذا الفعل الذي لم أخطط له مسبقًا، بل أتى هكذا كيفما اتفق، على الرغم من أنه أخذ مني حوالي الساعتين لكنني كنت مُستَفزًّا (ولعله قلق الوعي بجهل آلية عمل شعورٍ ما)، لذلك لم أترك الأمر يمضي وحسب.

توقفت في النهاية لأقول لنفسي: هناك ما يمتاز به أداء ولاء الجندي عن باقي المغنين - إنه تماثلي مع الأداء، وفنائي مع ذلك الصوت في عالم المضنى الذي خلقته قصيدة شوقي. نعم لعبدالوهاب الفضل الأكبر في التلحين، لكن يبقى لأداء ولاء الجندي فضلُ المحافظة على الدهشة لديّ. أعني بالتماثل مع الأداء هو استجابة المُغنّي للحن المستمع؛ إذ يغدو هو المغني والملحّن (تماما كفكرة رولان بارت في أن القارئ يصبح كاتب النص). وكلما استطاع المغني أن يواكب اللحن والأداء عند المتلقي فإن الأخير يشعر بالدهشة (ولعل هذا راجع لتحقق الذات لديه من حيث إنه يريد أن يكون ملحن ومغني هذه الأغنية، فعندما يستجيب له المغني بأنْ يغني كما يريد هو فكأنه يقلده، وبذلك يعطيه إذن الغناء!). بدليل أني صرت أتحيّن وصول المغني للبيت "بيني في الحب وبينك ما لا يقدر واشٍ يفسده" لكي أتحقق من أدائه له جيدا كما أريد أنا! (وقد اقترب الرويشد جدًا من أداء ولاء لكنه لم يماثلني/يماثلها)

محمد عبدالوهاب:
https://youtu.be/kMf0e7r4ETc
ولاء الجندي:
https://youtu.be/fGaMMHPkjPg
عبدالله الرويشد؛
https://youtu.be/vlAi2HzJjo8

2 أكتوبر 2015

بصقةٌ تجاه القِبلة

عندما عاد إلى سيارته، اكتشف أنه تركها مفتوحة بعد نزوله القصير إلى المسجد. "على العموم، لن يريد أحد سرقة خردة". كان أشجع قرار اتخذه تلك الليلة أن يتوقف حالا عما كان يفكر بإعادة النظر فيه.
"اللعنة على كل ما فكّر العالم به يومًا، هل كان يظن أنه سيخفف من حيوانيته ويرتقي سلم الإنسانية؟ هل هناك سلم أصلا؟ هناك فقط وديان ذوات صخور مدببة".
***
بدا له منظر المدينة وهي مغمورة بأفيون الشعوب، مثلَ سمكية سطحية؛ لا هي تقدر على احتمال ضغوط العمق، ولا تستطيع التخلص من ربقة الماء، وتعلم جيّدا أنها صيدة سهلة كذلك.
اعتاد أن يُسلّي نفسه المتشظية أثناء نزواته بالتجوّل كيفما اتفق في المدينة. رأي مسجدا فقال مُحدّثا نفسه "الملاعين، يعبثون بأموال الدولة في كذبة عمرها ألفا سنة على الأقل!"، وفي الأثناء اشتمّ رائحة خبيثة لم يعرف مصدرها، لكنه تذكر مقولة صديقٍ له "بعض الأفكار مُنتنة لدرجة أنك تشمّ لها رائحة حقيقية".
تذكّر وصية صديق آخر، التائه هو الآخر، حينما قال له: "أنت الآن لستَ متأكدا من أي شيء". فكّر في أنه قد يكون مخطئا في عبارته الأخيرة، ويكون هو "الملعون" حقا لا هم.
اختار وقتا تكون فيه المساجد خالية، بين المغرب والعشاء، ليُبقي على خط عودة قائما في حال تبيّن له وهمُه في وقت لاحق.
***
مُطَأطَأ الرأس دخل حوش المسجد وكأنه يعتذر لله على فعل، وسيفعل. حرص على تقديم رِجله اليمنى منذ أن نزل من السيارة، لكنه لم يقدر حجم الخطوات اللازم لكي يضمن له ذلك. وجد رِجله اليسرى تتقدم العتبة. "لا بأس، الله لا يحفل كثيرا لهذا الأمر". ومضى نحو المواضئ.
توقف أمام إحدى الحنفيات، وأخذ يجسّ مثانته. قدّر أنها ممتلئة، وربما ستُضايقه في صلاته، فتوجّه نحو الحمّامات. اختار حمّاما إفرنجيا؛ فهو يضمن لك انحاءة أقل من الحمّام العربي. بينما جهاز الإخراج يعمل بكفاءة، جلس يُراجع كيفية الصلاة، عدد الركعات، ما الذي سيقرؤه. حسنًا، هو لا زال يتذكّر كل شيء، ومستعد للمواجهة.
نهض بعد أن نظّف نفسَه، واستدار ليضغط على السيفون، لكنه لا يستجيب كما ينبغي. "اللعنة، أصلِحوا حمّاماتكم!". رفع غطاء وعاء الماء السيراميك ليضغط بإصبعه مباشرة؛ لعل القطعة الخارجية فقط هي المشكلة. انتبه لشيءٍ ما غريب يتدلّى من طرف الغطاء، لكن انشغال فكره بالمواجهة كان أكبر من أن يعطيه الفرصة كي يفكر في أي شيء آخر، لذلك كان يعمل بآلية.
رفع الغطاء فانبعثت رطوبة في أنفه، سببها ملابس داخلية تشرّبتها دماء خطيئة.
ما عاد يهمه تصريف ما تبرّزه بقدر ما تصوّر شبق المُخطئين، لذة الفاعل، وألم المفعول. انتشاء الفاعل، وربما المفعول. وأين؟ حمّام مسجد!
***
أعاد الغطاء إلى مكانه، وصفق باب الحمّام وراءه، وبصق تجاه القِبلة، عائدا إلى سيارته. 

5 سبتمبر 2015

مُثقف مُفرِط في إنسانيته!

تهالكت الحناجر بالضجيج المنبعث منها بسبب الحالة اليمنية، فأظهرت عوارَ أشباه المثقفين، وكشفت كم هي كبيرة طبول بعضهم الآخر.
أمام الحالة اليمنية هناك موالون للتحالف الخليجي، وهناك معارضون له. فالموالون ينظرون للأمر نظرةً ميتافيزيقية-أخلاقية؛ متمثلةً في نُصرة الأخ العربي، ذي العِرق المشترك معنا، وصاحب المُبارَكة النبوية بـ"الحكمة يمانية" [حديث نبوي]، وأن الواجب الأخلاقي يُحتّم الوقوف إلى جانب هذا الأخ الذي يتعرض لعدوان داخلي مموَّل من خارجه.
وأما المعارضون فينظرون في ذلك تدخلًا صارخًا في الداخل اليمني، وأنّ لدول التحالف مصالح شخصية بحتة؛ متمثلة في الموقف من إيران التي تراها دولُ التحالف -بحسب النظرة المعارضة- ثاني أكبر خطر بعد إسرائيل. بينما يرى المعارضون أنّ إيران ليست بالضرورة خلف الأوضاع اليمنية، فهناك احتمالات تراكم التهميش والفقر الذَيْن عانت منهما فئة "الحوثيين".

الحقُّ أنّ كلا النظرتين تحملان فكرة ميتافيزيقية مثالية، وإنْ بدت الثانية ليست كذلك؛ فأفكار الموالين حالِمةٌ بوَحدة شعورية عربية ليست موجودةً سوى في عالمٍ يوتوبيٍّ شبه إلهي. وأما أفكار المعارضين فهي لا تختلف عن الأولى في أنها تدعو لمثاليةِ أنْ يحل اليمن مشاكله بنفسه لأنه قادر على ذلك، بغضّ النظر عن الموضوعية التوسعية لإيران. بينما المعطيات الواقعية تدل على أنّ الحكومة المنتخبة، برئاسة منصور، قد طلبت العون من دول التحالف من أجل مساعدتها في رد "مُخرّبين يعيثون في اليمن فسادًا"، وبالتالي ليس التحالف اعتداءً على اليمن، لكنه استجابة لطلب شرعيّ.

يبقى السؤال المطروح الآن: كيف ساغ لهذا المثقف أن يتكشّف له أنّ التحالف ليس سوى نزوة مراهق سياسي أُعطِيَ قرارًا بيده؟!

يعاني المثقفون من مرض الإفراط في الإنسانية؛ فتراهم لا يقيسون شيئا من أشياء هذا الوجود إلا بمقياس الحب والسلام والخير والعدل. وهي مفاهيم سليمة بلا شك، لكنها ميتافيزيقا العصر.

28 أغسطس 2015

كائنات العٓلْق.. (٢)

نحن كائنات تعلق بكل شيء يمكنها أن تعلق به. وإذا تمكنت، فإنها تلعق كذلك. نمد أدوات عَلْقِنا (أو لَعْقنا) على أي شيء تطاله أيدينا (وفيه)، غيرَ آبهين بمصفوفة الاحتمالات التي تولّفها تلك الأشياء من حولنا. متناسين كينونتها. الأدهى من ذلك، أننا لسنا متناسين تماما، لقد نسينا هذا الأمر فعلا. التناسي رهين الوعي، النسيان وَليدُ العادة واللاوعي. نحن عالةٌ على الكون، ممتصّون لهذا الوجود. تصالحنا مع طبيعتنا تلك بميثاق مكبوت. التصالح تتازلٌ مشروط عن الأنا.

ضجيج لعقنا لِمَا حولَنا لا نتبيّنه. مشغولون باللعْق، وكلّ مشغولٍ لا يُشغَل. اللعْق حالةٌ من التماهي مع الملعوق، محاولةٌ للتوحّد به، والتماثل معه. لا نصغي للمعْلوق به (الملْعوق)؛ الإصغاء اعترافٌ بوجودِ المُصغى إليه. الاعتراف ترَفٌ لا يليق بنا. يعْلق رجلُنا بأنثى، نعلن هذا العَلْق/الزواج. يعْلق رجلٌ برجل، نلعن هذا العَلْق/الشذوذ. العادة تحدد علائقنا المُباركة، والأخرى المطرودة. وكله عَلْق. أحيانًا، تحدث زحمةٌ عَلْقيةٌ على ملْعوقٍ ما. صراع العلْق يورث حروبا كلامية، وأخرى افتراضية (ومنها ما كان سريريا). تطير شتيمةٌ من فم عالِقٍ بأحمد بخيت وهو يُلقي قصيدته "رام الله"، لتُصيبَ ذاك العالِق الآخر الذي يردد بلكنةٍ مصرية "حِلْو ياحْمد.. حِلْو".

أكثر أشكال عَلْقنا إثارةً للشفقة، تلك التي تدفع بـ"الدنجوان" لأنْ يفرز لُعابا وهميا لِما يلعقه (أو يظن أنه يفعل ذلك)، يُسمّي إفرازاته الوهمية حُبًا. يمرّن هذا الـ"دنجوان" قائمتيه جيدًا كي يتمكن من العَلْق جيدًا، والقفز عاليا تجاه أي كائن يلتحف خرقة سوداء. يلتزم الـ"دنجوان" بتمارينه أكثر من التزام سارتر نفسه. سارتر، هو الآخر، مريضٌ عَلْقًا بالوجود.

21 أغسطس 2015

كائنات العٓلْق.. (١)


نحن كائنات تعلق بكل ما يمكنها أن تعلق به، وإذا تمكنت فإنها تلعق كذلك. طفيليات تورّط الكون بها؛ فما إنْ تلامس سطح شيء ما حتى تشقّه وتمدّ أنابيب التثبيت فيها، وتُخرج ألسنة اللعق، تفرز سوائلها لتطوّع تلك المادة للهضم. الغريب أننا كائنات لا نمجّ شيئًا، لا نستثني شيئًا من سطوتنا تلك؛ بل إنّنا نتحدث عن قومٍ إذا ورد أولهم بحيرة ماء، يقول آخرهم: "يومًا، كان هنا ماء"، إننا نفرز عصارتنا قصصًا خرافية أيضا.
لاحقًا، عرفنا طبيعتنا تلك، فآلمنا وخز الوعي هذا. الوعي أشبه بالأخ الكبير؛ يرقبك بكل هدوء وصبر منتظرا خطأ صغيرا منك ليُعمِل سيخ سخريته في خاصرتك، ويُسقط حملك الذي تحمل. ولأننا أذكياء كفاية، صنعنا أفيونا لغويا، أفيونا يعمل بامتياز. الأفيون رهانُ التقدم. بتنا نسمّي تطفلنا ذلك بـ"العلاقة"، نَسِمها وكأننا مُجبرون على ذلك لا مُخيرون. نحن نكرّس الجبر قبل تبجّحنا بالحرية. مع الأسف، حتى أفيوننا هذا لم يُنسِنا عَلْقنا ولَعْقنا لهذا الكون.

في الآونة الأخيرة، ازدادت علاقتي حميميةً بالشوراع (ليس لهذا علاقة بسوء الأدب)، بتّ استمتع بقضاء الوقت على "الزفت"، لاسيما وحيدا. تمكّنتُ من التخلص من عقدة اسمها "ميحد حمد"، كانت تلازمني حتى تعطّلت ثلاث سمّاعات من أصل أربع في السيارة. أصبحتُ أستمع للإذاعة أكثر، مونت كارلو الدولية، الإذاعة العامة، إذاعة الشباب، أبوظبي، هلا إف إم. لكنني سرعان ما أغيّر المحطة إذا بدأت الإعلانات التي تمثّل أعلى درجات العَلْق واللعْق دناءةً: "دجاج الصفاء يشعرني بالطمأنينة"، " بييب بييب.. جالس أجرّب سيارتي"، والامتصاص الناعم لدم المواطن المتوافق مع الشريعة الإسلامية.
لعل من "أبرز" [هذه الكلمة لن تعجب الصديقي سليمان لأنها تذكّره برائحة إفرازه نتيجة لَعْقه للحوم الإبل، لاسيما الظفارية منها] - من أبرز الشوارع التي أتلذذ فيها بتقليب المحطات الإذاعية، هو شارع تيبات-خصب. يتيح لك هذا الشارع تشويشا كافيًا لكي تتحوّل من الاستمتاع بالحديث المُجتَرّ يوميا، إلى مجاهدة النفس من أجل التقاط كلمة عربية بين كلمات فارسية وهندية وإنجليزية. تبقى متلهفًا للمفاجأة الآتية. قانون عربي، شدْوٌ فارسيٌّ، ورقص هندي. أما كيف تعرف الرقص الهندي فهذا سهل، للموسيقى الهندية نغمة بروليتارية لا تحتاج معها لأي لغة كي تميزها.
وفي أكثر اللحظات حرجًا، عندما يطغى التشويش، أتذكر رولان بارت الذي يستطيع الوصول للنشوة مع مجموعة من الماكنات التي تعمل بضجيجها معا. ويستلذّ خرْق أذنيه بمجموعة صبية صينيين يحفظون بطريقة تقليدية غير متّسقين. وأقول: الْتمس الهسهسة التي تسكن هذه الضوضاء. لكن أين هذه الهسهسة؟ وأرد: عدم العلم لا يعني علما بالعدم.
لو كان في بارت هذا خيرٌ لَما مات مرغوما أنفه بحادث سيارة.

1 يوليو 2015

في حضرة العنقاء والخَل الوفيّ.

رواية إسماعيل فهد إسماعيل: "في حضرة العنقاء والخِل الوفيّ"

أنهيت هذه الرواية التي سلبتني كثيرًا (هذا ليس حكمًا نقديًا، ولا يُعوَّل عليه). رواية قالت عنها سعدية مفرّح عنها: "رواية صعبة ليس على صعيد الكتابة وحدها بل على صعيد القراءة، وأتوقع من المتلقي أن يجتهد كثيرًا في سبيل استخلاص المتع الراسبة بين نهايات الفصول حتمًا".

عنوان الرواية، بما هو العتبة الأولى للنص، يحيلنا إلى البيتين الشهيرين لصفي الدين الحلي:
لما رأيت بني الزمان وما بهم، خِل وفي للشدائد أصطفي
أيقنتُ أن المستحيل ثلاثة: الغول والعنقاء والخل الوفي
وبذلك يصنع إسماعيل جسرًا بين التراث العربي القديم؛ إذ كانت العرب تؤمن بهذه الكائنات الخرافية الثلاثة، وتصنع حولها القصص (الأساطير). وهذه ليست المرة الوحيدة لإسماعيل التي يستخدم فيها ثيمات تراثية يوظّفها في أعماله السردية؛ فهناك عمل بحثي محترم في التراث في روايته "الكائن الظل"، وقد أشار إلى ذلك بنفسه. تتبادر إلى الذهن -في هذه العتبة: العنوان- أسئلة من نوع: هل نحن أمام عمل روائي تاريخي؟ وإذا لا، فكيف وظف هذه الثيمات في سرده؟

نحن أمام سرد يدور زمانه بين 1985 و2010؛ يحكي الراوي العليم فيها عن حوادث قابلت بطل الرواية، اتخذت شكل رسالة مطولة لابنته؛ في محاولة منه تعريفها بأبيها الذي لم ترَه، ولم يرَها. تكنيك إسماعيل في إدخاله زمانين: زمن الكتابة، وزمن مسترجع – وتكويره أحد الزمانين على الآخر، والالتفاتات السريعة، والانتقالات بين زمن الكتابة (مخاطبته للبنت) والزمن المسترجع، كل ذلك يستدعي من القارئ جهدًا مضاعفا لمجاراة السرد، ولعل هذا ما عنته سعدية مفرّح في الاقتباس السابق.

تحكي الرسالة المطولة أحداثًا جرت لبطلها، مكتوبة بلسانه، بما يحيلنا إلى مسألة تأريخ الأحداث بلسان غير محايد، لسان مَن عانى هذه الخبرات وجربها. فكيف كانت هذه الشخصية الراوية؟ هي شخصية نامية بامتياز. لكنها شخصية واعية بامتياز أيضًا. تصنّف الشخصية ضمن فئة "البدون" في دولة الكويت، وهي فئة تشكل عبئًا على كاهل الحكومة، وتحاول الحكومة حل المشكلة بطرائق غير مجدية؛ بدليل استمرارها إلى اليوم. هذه الفئة/الطبقة لا تنسى إنسانيتها، وانتماءها لتربة الكويت؛ فهي –رغم كل التضييقات- تحتفظ بشخصية قد لا تملكها الشخصية الكويتية؛ شخصية الوفي التي أظهرتها المحن (الغزو الصَّدّاميّ للكويت). في مقابل شخصية كويتية (سعود، شقيق زوجة البطل)، الانتهازي رغم كويتيته. شخصية البطل واعية؛ إذ أخذ البطل يعيل أسرته المكونة، منه وأمه، منذ صغره. إلا أنّ حدثًا دفعه لإكمال دراسته والالتحاق بمعهد الفنون الكويتية، حدثًا من كويتيين حقيقيين، إنسانيين لا يصنفون البشر، ولا ينزعون صلاحية الحياة من الآخرين لمجرد كونهم "بدون". فتحول البطل في هذه العتبة من كونه "المنسي" اسمًا على مسمى، وأصبح يحمل اسمًا فنيا "المنسي بن أبيه"، وبذلك امتلك شخصية، والتحق بالمعهد، إلى أن أصبح كاتبًا في جريدة "السياسة" في آخر هذه المرحلة. يحدث أن يلتقي هذا "المنسي" بزوجته "عهود". هذه الشخصية ذات التجارب الزوجية السابقة، الجريئة، العنقاء. أزعم أن تسمية الشخصيتين لم تكونا اعتباطيتين؛ فـ"المنسيّ" ينتمي لفئة منسية (البدون)، و"عهود" مولَعة بالعهود/ النذور، نذور لضريح السيدة زينب في سوريا. كذلك يشي الاسم -بصيغته الجمع- للتلوّن والتجدّد، وتغير العهود/النذور (إعادة إحياء العنقاء من جديد!).

على مستوى اللغة، نعيش جو الروايات الحديثة، مبتورة الجُمل، اشتقاق أفعال وأسماء جامدة. فتراه يصوغ جملته الخبرية ثم ينفيها بحرف واحد ويترك جملته مفتوحة للقارئ (دور القارئ مجددا). بالإضافة إلى كثرة الجمل التقريرية الأشبه بجمل الحِكَم، وتصلح للاقتباسات، وأظن أن على القرائ أن يمسك قلم تحديد لكي يحدد الجمل الرشيقة؛ من مثل: "القراءة تشحذ وعي الواحد تجعله يفهم ما يدور حوله"، "الجهل بارتكاب جريمة حتى إنْ بقيت خفية عن الآخرين لا يعني براءة مرتكبها تجاه نفسه".
في النهاية، أستطيع القول إن إسماعيل فهد -في عمله السردي هذا- قدّم صورة الإنسان البدون/ الخِل الوفيّ، بلغة رشيقة، وسرد أخّاذ.

17 أبريل 2015

مراهقةٌ فكريةٌ.. بتْرٌ مٓقيتٌ!


يثير ثُلّة من المدهوشين، المأخوذين بشعارات الحرية والمساواة وحقوق المرأة والإنسان - إشكالات تتعلق بأحكام الإسلام المتعلقة بالمرأة.
أعني بالتحديد تلك التفرقة البيّنة بين بعض أحكام النساء الأحرار والإماء.
ينطلق الناقدون لتلك الأحكام من فرَضيّة أولية مفادُها أنّ الإسلام، بما يحمل من شعارات تحرير البشر من عبودية بعضهم بعضًا إلى تحقيق العبودية لله وحده، يُنتَظر منه أنْ يأتي بأحكام غاية في الحرية والمساواة.

لكنّه سيكون من الظلم أن نحكم على الإسلام بظروف اليوم، متناسين وضع تلك الأحكام في سياقها التاريخي التي أتى الإسلام ضمنَهُ.

إذن، ما السياق الذي أتى الإسلام فيه؟
إنه سياقٌ غاية في التقهقر فيما يخص الإماء، تلك الطبقة المملوكة بكاملها لمالكها؛ يحق له فيها كل شيء، بما في ذلك معاشرتها والإتيان منها بولد يعد شرعيًّا في ذلك السياق.
لم يكن بِوِسْع الإسلام أن يفكك ذلك السياق، ويهدمه بأكمله؛ فذلك سيكون مغامرةً خاسرةً بالتأكيد. سياقٌ مُترَعٌ بإماء كثيرة، ومجتمعٌ نشأ على ذلك، لم يكن من الجيد إحداث صدمات على مستوى المعاملات بين البشر، بل لم يكن من المهم فعل ذلك قدرَ أهمية صناعة صدمة معرفية تجاه الوجود والله والإنسان.

اتّبع الإسلام خطةً ذكية في سبيل تحرير البشر، خطةً تقلص من تلك الطبقة المملوكة.
وليس أدل على ذلك من حكم "المكُاتٓبة" القائمة على وعد المملوك بالحرية مقابل مبلغ مالي أو سنين خدمة معينة. قال -تعالى-: "والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" (النور: ٣٣)

ومن تلك الخطة أيضًا، تعليق كفّارات الذنوب بتحرير الرقاب؛ قال -تعالى-: "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأً ومن قتل مؤمنًا خطأً فتحرير رقبة" (النساء: ٩٢)
وكذلك، قوله -تعالى-: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة"

ومن ذلك أيضًا، الآثار النبوية الشريفة التي تحث على عتق الرقاب، ووعد المعتق بالخير في الآخرة؛ من ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار.." (البخاري ومسلم)

هذه الخطة التي وضعها الإسلام، نظريًّا، من شأنها القضاء على تلك العبودية البشرية، وتحقيق العبودية الإلهية التي تقتضي الحرية والمساواة.

ولا يهمني كثيرًا الاحتيالات البشرية التي حدثت في التاريخ من قِبَل البشر أمام هذه الفئة المملوكة، وذلك بعد انقضاء عصر صدر الإسلام وقيام الدول التي تتّشح بالإسلام رداءً لا حقيقةً. إذ لا ينبغي تحميل الإسلام سيّئات البشر؛ ففي النهاية، الإسلام فكرةٌ لا تقوم دون مفكرين بها، لكن لا يلزم من فساد المفرين فساد الفكرة، فالإنسان لا يغلبه أنْ يلوي ذراع أي فكرةٍ لصالحه أذا أراد ذلك!
وإلا، حتى نيتشه استخدم الشيوعيون والنازيون أفكارَه المتعلقة بالأعراق، و دونية العرق اليهودي، في الحرب العالمية. وقد تناسى الشيوعيون والنازيون السياق الذي جاءت فيه هذه الأفكار؛ إنه سياقٌ يحاول نيتشه التدليل على أفضلية العرق اليهودي المتميز بالعقلية الرياضية القانونية البرجماتية. لأن نيتشه شاعر فقد كان يستخدم الرموز كثيرًا بما لا يمكّن كل قرّائه من فهمه (سيما القرّاء الصُوْريين!).

***

أعود للحديث عن ذلك البتْر الميّت للفتاوى والنصوص، واستخدامها ضد الإسلام دون وعي بالسياق الذي جيئت فيه. فأقول:
إن الهدوء مطلب رئيسٌ في البحث المعرفي قبل الشروع في إطلاق أحكام ضد أي أحد، بما في ذلك الإسلام.
وينبغي محاكمة الإسلام بالظروف التي جاء به، لا ظروفنا الحالية المختلفة تمامًا عن تلك الظروف.
إن تناقل مثل هذه الفتاوى، والسخرية منها، لهُوَ إشارة واضحة على ضحالة النقد الموجه، وعدم حقيقيته، وحماسة، وطيش فكريٌّ.

كما أنه ينبغي على المتصدرين للفتوى أن يقدّموا بين يدي فتاواهم ذلك السياقَ التي انبنت أحكام الإسلام فيه؛ كي يتفهم المستفتي (وهو ابن القرن الحادي والعشرين)، ويبرر لنفسه سبب هذا التباين في معاملة الإماء والأحرار.
"يجب" تجديد الخطاب الديني بما يتناسب مع متطلبات العصر. لاحظوا أنني أتحدث عن تجديد "الخطاب" الديني، وهذا لا يعني تمييع الدين وإعادة صياغته كما نهوى؛ فـ"الدين" أمرٌ، و"الخطاب الديني" أمرٌ آخر.

* أدين لبعض الأفكار هنا للباحث خالد الوهيبي في بحثه في مجلة الفلق
http://www.alfalq.com/?p=624
* كما أدين لصورة الفتوى للصديق يوسف الشحي، تلك الصورة التي ولّدت كل هذا الكلام.

3 أبريل 2015

رؤيا


(١)
حالة من السُّكْر، اقتراب من الحقيقة، ليس بينه وبينها سوى مقدار من النشوة، مزيدٍ من الجرعة. الحواس معابر للروح، نوافذ المعنى، مشربيات الحقائق. "مشربيات"، نعم، هو الوصف الأدق؛ أليست تُخفي قدْرًا من المعرفة، بما يكفي لدهشةٍ أخرى!
النافذة الأنف، تعبّ بياضًا متراقصًا، يتراقص الأنف متابعًا سير البياض، لمزيد من شبق المعرفة، ومزيدٍ من نشوة طفل يتعرف على الكون. النافذة المزدوجة هذه، تستحيل راقصًا شرقيا، غير مفهوم الحركات، ولا معقول الليونات، هُو أقرب للحيوان على كل حال.
أليس الرقص، حاله حال كل الفنون، محاولة بائسة من الإنسان ليتقرّب من أمه الطبيعة!
أليس هو يقلد حركات السنابل، والزهور، والرياح، والنمور، والزلازل!
بائس أيها الإنسان. بعد عقوقك لأمك، بعد افتتانك بنفسك، بعد إعجابك بالمعنى، بالذهن، بالوهم.. تقدّم القرابين بدم عدميّ.

(٢)
جمرٌ جديدٌ، اكتواء بالمعنى من جديد.
"اللعنة عليك يا بروميثيوس، لماذا سرقتَ النار!"
مزيدٌ من النشوة، غرق في البياض الهوائي، المطلّ من المشربية. بياضٌ أكثر من اللازم!
"الإشراق شرفٌ لا يليق بالجبناء، بالأرواح الثقيلة!"
اجتراح. انقداح. بياضٌ حدّ العمى. عمى حدّ التجاهل. تجاهل حدّ الإغفال عن معنًى؛ لتتسنّى الدهشة من جديد.

(٣)
غشاءٌ رقيقٌ، يفصل ما بينه وبين المعنى. غشاء المابين هذا، يشفّ عن امرأة هناك. هناك في الفقد، حيث رهان القلب. شرقية. جدا.
مشربية العين، نافذة المعنى هذه، تكتنزّ كل معاني الشرق؛ بخور، كحل، سواد في بياض، برقع، نجوم متفجرة باستمرار في العيون.
"اخلع نعليك.. دونك الفردوس"

(٤)
ينطفئ الحلم، بانطفاء الجمر.
وتستعر معاناة فهم المعنى. ذلك المعنى الذي خنستْ به امرأةٌ قبل أن تغيب مع المعنى.

29 مارس 2015

بلا حنجرهْ.

وحيدًا،
أرعى الحرائقَ،
والفاجرهْ.

أجوبُ القصائدَ،
أعصِر حرْفي،
أخنق كل معاني الرثاء.

أذوّب رمل البحار،
ونخْل الفؤاد،
وأصنع مِشنقةً للوداد!

وأُحرِق نوتاتِ نايي،
وأترك داوودٓ،
 بلا حنجرهْ!