وريقاتي

Powered By Blogger

29 يناير 2016

الحرية المسروقة

"أنا رجل (هكذا يفترض) عشريني ممتلئ قيحا، استنفد كل فضيلة ممكنة في سنواته الثلاث ما قبل الجامعة. الحقيقة أنها أبغض السنوات على الإطلاق رغم أنها (كما يقول) وضعت إحدى قدمي في نعشي، فيما تكفلت سنوات الجامعة بوضع القدم الأخرى فيه. أقصد بالنعش حياتي التي اكتشفت أنها لم يعد فيها ما يمكن أن يكون جديدا. النعش وطن ترَفيّ غير متوفر فوق كوكب الأرض، لعل تحتها واحد، لا يشترط فيه النزوع إلى الكمال، يكفي الوجود. لقد تلكأت غير مرة قبل أن أقرر إن كانت بغيظة فعلا، إلا أني استقر بي القرار إلى البغض بحجة أنها كرة حديدية من تلك التي رأيتها في صغري مربوطة إلى أقدام المسجونين في الأفلام الكرتونية. إني متورط بها، إنها تعيق تحركي. تهدد هويتي. أخشى إن ذهبت إلى الحداد وتخلص منها أنْ يخطئ الحداد فيبتر قدمي لأبقى طوال حياتي بلا قدم. كم اعترفت لنفسي أن ذلك لا يعدو كونه وسوسة أوهام المجتمع، وأن علي التفرد واتخاذ سبيلي دونه. كم رددت أن على الناس أن يتخلصوا من العلاقات التي أوهموا أنفسهم باحتياجهم لها. هي علاقات مدارها حول فلك الحفاظ على امتداد النوع البشري ومكافحة الفناء. لكن ماذا إذا انفرط عقد الفلك وتداعت أجرامه على صفحة الوجود؟ حينها لن يكون ثمة دافع أو معنى من هذه العلاقات، حينها فقط سيكون المرء حرًا في اختياراته، متحررا من عقد الذنب عندما يحدق في صدر عشرينية يفور منها الشبق، غير مكترث لرأي من يكشفه وهو يأخذ قياسات مؤخرة امرأة أخرى تبث منحوتات الله أمام عينيه، قادرا على استيقافها وإخبارها بمدى فتنتها وإعجابه بها (مع تأكيده على عدم علاقة ذلك بالحب من قريب أو بعيد). حرا بتمكنه من تعريتها انتقاما من رجولته المستفزة، ومضاجعتها افتراضيا. حرا كي يتمكن من رفع أوسط أصابعه في وجه كل سخافة يراها في الشارع. تلك الكرة الحديدية خفّت في سنته الجامعية الثانية عندما بدأ اكتشاف شيئه وسوائله، خفت أكثر بمراقبته لعود السيجار المشتعل دون أن يسحب منه نفس واحد، وأكثر عندما غزا الدخان رئته الوردية ثم نام بلا مشاكل، وأكثر كثيرا عندما أدار الكأس بيده قبل أن تلسعه لذعته. (قال لي مرة:) ماذا سيبقى لي لو تحققت أحلامي تلك سوى ألا يبقى لي شيء فوق الكوكب؟ يريد ألا يكون عليه واجب تجاه أحد (على افتراض أنه حر تماما)، ولا ينتظر منه أحد شيئا. وفي المحصلة: أنا حي بحياة أحلامي، وأبقى ثابتا بثقل كرة الحديد هذه (ويشير بأصبعه إلى واحدة افتراضية)"

هكذا يُشعرني صديقي بالضجر منه؛ فطبلة أذني -كباقي طبلات آذان البشر- من حقها ألا تسمع الهراء.

ملاحظة/ ما بين القوسين زيادة مني.

13 يناير 2016

القراءة.. فعل تأويل الموجودات

يشكل كل فعل قراءة فتحا جديدا، يوسّع الوعي تجاه الموجودات اعترافا بها، وإدراكا، وتفسيرا. هذا "الفتح" بمثابة هدوء النفس إزاء قلقها من المجهول الذي يكتنف الموجود المُعتَرف به. هو فتح لأراضٍ توسّع الوعي فيها، فاشتملها. يظهر على السطح هنا تساؤل: ما "القراءة" المقصودة؟ وكيف يمكن لها أن توسّع الوعي؟

أخذًا بلحاظ السياقات التي تُستخدم فيها لفظة "القراءة": قراءة الواقع، الموقف السياسي، المستقبل - ينكشف لنا أن المعنى المراد لم يعد ذاك الواقف على حدود فك الرموز المرسومة الدالة على مدلولات مُصطلح عليها. إن الأمر يتعدى ذلك إلى النظر في التعالقات بين الدوال تلك، والنظر فيها على أنها عناصر في نسق نظاميّ معرفي، يعكس هذا النسقُ بنية عقلية تقف خلف المقولات، يمكن تسميتها "اللامقول" على غرار "اللاوعي". وبالقياس نفسه، يكون اللامقول أكثر من المقول المتلفَّظ به. في هذه المنطقة ينشط فعل القراءة، مُحدِثًا سلسلة من الإحالات والتأويلات. 

إن كل قراءة هي فعل تأويل. فكما أن النص غير بريء من الدلالات التي يحملها، كذلك القارئ غير بريء من الدلالات التي يصنعها. أليس القارئ يأتي إلى النص مُحَمَّلًا بحَمولات معرفية تكون بمثابة مرجعية تأويلية للمقروء، بوعي أو بلا. ليست هناك قراءة تنطبق مع مُراد الكاتب تماما. عليه، تظهر على السطح إشكالية وجود الموضوعية في القراءة. هل هناك موضوعية حقيقية في هذا الفعل؟ إذا عنينا بالموضوعية أنها توافق فهم القارئ ومراد الكاتب، فإنه برأيي، ليست هناك قراءة موضوعية. فالموضوعية تتطلب فصلًا بين ذاتية القارئ إزاء ما يقرأ، وهذا يعني إقصاءً للذات الواعية التي تَشكّل وعيها تحت ظروف معينة، وبعد قراءات متباينة. تغدو الذات غير الذات بعد سلسلة البحث والتساؤل، التي يسميها فوكو "الروحانية"، إذ تتطهر  بعملية القراءة ويعاد تشكيل الذات. إن ذات كل واحد منا توصف بحصيلة بحثها وتحصيلها؛ فأحدنا قد يجمع النبي محمد وأفلاطون ونيتشه والجابري والكندي وابن سينا - بمقدار ما قرأ. فنحن لسنا أنفسنا تمامًا. إن القراءة تحمل خطيئة التأويل بالضرورة، لكن خطيئة ادّعاء انفصال الذات أثناء فعل القراءة أعظم افتراءً.

نعني بالتأويل هنا نظام الإحالات الذي يبنيه القارئ في محاولة لفهم المكتوب. ولكن، كيف نضمن أن نظام الإحالة هذا سليم، أو أنه فعلًا يُحيل إلى ما أراده الكاتب؟ افتراضًا أن فعل القراءة السليم هو الذي ينسجم ومقصد الكاتب، فيكون فعل القراءة (التأويل) السليم هو الذي يتناغم مع فكر الكاتب، وهذا يتطلب تتبعًا لاهتمامات الكاتب من قضايا وقراءات ونشاطات. ليصبح فعل القراءة مهمة صعبة، والأحكام أقل تقريرية، وبالتالي أقل حدّة، أكثر قبوليةً للآخر. وهذا عين الوعي الذي نشدناه في البداية.

10 يناير 2016

السارد المسرود في تجربة محمد اليحيائي

جريدة الزمن

١٠ يناير ٢٠١٦

إنما السرد هو ذاك الذي يجمح في عالم الخيال، تلك القدرة المهيبة على صنع المعنى عند الإنسان، ذلك البعد المختفي خلف كل الموجودات المدرَكة. واللغة، بما هي أداة تصنع الفكر، على رأس تلك الموجودات. وإذا كان عالم النفس السويدي فرانكل قد أفصح بأن شغف الإنسان الأوحد متثمل في صنع المعنى لوجوده، فإن السارد، بالتالي، يقوم بدور الخازن على الحياة، المؤتمن على أرواح الناس الشغوفين بالأدب على الأقل، بما يخلقه من عوالم تخييلية، لا تمت إلى الواقع بصلة، كما أنها ليست غريبة تماما عليه؛ فهما (الواقع والخيال) في علاقةٍ مشبوهةٍ بين المحايثة والمفارقة، علاقة تجعل السارد نبيا موحى إليه بصوت متعال.
اعتدنا رؤية محاكمة القارئ إما للسارد، وإما -وهذا في أحسن الأحوال- للنص. وهذا الأمر أصبح طبيعيا في العلاقة بين السارد والقارئ، النبي -أو مدّعيها- وجمهور المتلقين. أما أن يتمرد السرد على سارده، أن يثور مؤمن على نبيه، أن نرى محاكمةً، بل خروجا تاما على المتفضّل بنعمة الخلق والإيجاد، خلق الشخوص والأمكنة والأزمنة، فهو مصدر دهشة لا تنطفئ نارها بسرعة. هذا بالضبط ما فعله محمد اليحيائي في نصيه: الأول “سلطان الرماح” المنشور في مجموعة “يوم نفضت خزينة الغبار عن منامتها” (المكتوبة بين 1995-1997)، والآخر “سلطان الرماح يسرد حلما أفسدته مياه حلم سارد آخر” المنشور في مجموعة “طيور بيضاء، طيور سوداء” (المكتوبة بين 2000-2004)، وقد نشرت كلتا المجموعتين، بالإضافة إلى مجموعة “خرزة المشي”، في كتاب واحد حمل اسم “نزهة مارشال”، صدرت عن دار مسعى البحرينية، 2016.
مجمل الحكاية أن سلطان الرماح، المخلوق للسارد محمد اليحيائي، قد ثار، بعد اثنتي عشرة سنة، في القصة الثانية على سارده/خالقه، غيرَ راض عن الطريقة التي تمت التضحية به من خلالها، حسب تعبيره، مقررا أخذ راية السرد ليسرد حقيقة ما جرى في القصة الأولى. هنا، يحق لنا أن نتساءل: لماذا قد يعود السارد إلى نص عمره أكثر من عشر سنوات ليعيد النظر فيه، وهي مخاطرة كبيرة أن يحاول ذلك؟ ما الذي فاته قوله في المرة الأولى ليحمّل –مجددا- بطله قضية تعديله؟ أم أنها مجرد حيلة سردية لجذب القارئ؟ ما المختلف في القصة الجديدة؟
العنوان
إذا وقفنا عند عنوان كلا النصين نستطيع استجلاء إشارات سردية تدل على طريق السارد في عمله. فـ”سلطان الرماح” يعود، بعد اثنتي عشرة سنة، لـ”يسرد حلما أفسدته مياه حلم سارد آخر”. إن الدلالات تتهاوى تبعا للعنوان الأول؛ فدلالات السلطة والرئاسة تصطف خلف كلمة “سلطان”، ودلالات القوة والقهر والسطوة تصطف هي الأخرى خلف “الرمّاح”، هذا على اعتبار قصدية السارد في اختيار عناوينه وأسماء شخوصه، ويؤكد ذلك أن “سلطان الرماح الأول” حينما مات أعلن نهاية رجل “دوّخ الدولة”. إذن هناك حُلمان: أول رآه سلطان، وثان رآه السارد. لكنه سارد “آخر”، في محاولة للتملّص من خطيئة السرد الأول. وهذه سنة سردية عربية قديمة يتبرّأ الكاتب من خلالها من نصه بأنْ يُحيل نص السرد لآخر، عادة ما يكون مجهولا إما بصيغة التمريض (المبني للمجهول: يُحكى، قيل)، وإما بالإضمار (سمعتُ، أخبرني)، وإما بالإحالة إلى راو مجهول (عيسى بن هشام، هلال بن إياس).إننا نقف هنا إزاء احتمالين: الأول أن يكون اليحيائي متبرّأ من سرده ذاك، لكن ليس تماما؛ إذ لا زال سلطان الرماح خليقة اليحيائي الذي يحكي عنه أنه “يسرد حلما أفسدته..”. والاحتمال الآخر أن “السارد الآخر” المقصود هو اليحيائي مُنكَّرًا غير معرَّف، ويوصف بأنه “آخر”. هكذا بكل ما تحمله كلمة “آخر” من دلالات العداء والاختلاف، في مقابل الأنا الشريفة، وبذلك يكون السارد هو سلطان نفسه، لكن مسموحا له بأخذ السرد من يد، ومن قِبل، اليحيائي. في القصة الأولى، أتبع الساردُ العنوانَ بقولة لأنطونيو ماتشادو: “أيها السائر ما من طريق.. تتحدد معالم الطريق بمقدار ما تمشي”. إننا أمام سلطان/ رجل سلطة، سائر في طريق تتحدد معالمه بمقدار ما يمشي. يأتي اليحيائي لا لينفي وجود طريق يرقها سلطان، بل –على الأرجح- أنه ينفي صحة ظنون ذلك السائر في سبيل السلطة (أو الحب كما سيتضح لاحقا).
ولكن ما المياه المذكورة في العنوان التي أفسدت حلم سلطان الأول؟ لا شك أنها مياه السارد الأول الجارفة أو هي المياه التي ضاع فيها السرد وتموّه، وأصبح شيئا غير واضح/ناضج.
السارد واجدا موجودا
إن سطوة السارد العليم في القصة الأولى تخف، حتى تكاد تتلاشى مع الدهشة الناشئة من ثورة “سلطان” على اليحيائي؛ إذ ينتقل الخطاب من لسان الغائب (كان سلطان، بلغ، طريقه..) إلى لسان المتكلم (أُدعى، أبي، مُبتكري..)، فيصبح السارد موجودا بعد أن أصبح واجدا، والواجد موجودا. ورغم الانقلاب على مستوى الخطاب ذاك، إلا أن المسرود الأول (سلطان) حينما تسلم راية السرد فإنه لم يفعل سوى رد فعل حانق على طريقة سرد السارد الأول (اليحيائي)؛ فاليحيائي لم يدفعه للسرد “سبب أو مبرر واضح سوى رغبته، ربما، في ساعة ضجر وبرم بالحياة، في كتابة قصة قصيرة”، فاللاجدوى الدافعة أنتجت سردا مغالطا عليه تصحيحه بسرد مواز. يتضح الانقلاب السارديّ حينما وُصف سلطان حينما استيقظ بـ”منقبض السريرة” في السرد الأول، بينما أكّد على انفراج سريرته في السرد الثاني، بل وبرّر الانفراج ذاك بما لا يدع مجالا للشك فيه. ردة فعل الشخصية البطل هذه تشير إلى وعي السارد بمطلقية قدرة الكاتب على الخلق، ومن ثم تسيير المخلوق كما يهوى حتى وإن كان على حساب طمس إرادة الشخصية وتضييق خناق احتمالات تصرفاتها في مصفوفة أحادية من القدر يوجدها الكاتب. ولذلك بدا صوت السارد الثاني (الذي سرد بعد اثنتي عشرة سنة) أكثر مقبولية كونه يقف خلف الشخصية لا فوقها كما في السارد العليم في القصة الأولى؛ فهو يدفع بالأحداث حدثا حدثا، ويبرر تلك الأحداث مفسرا الحالة النفسية التي أنتجت الحدث، بينما على الطرف الآخر يراقب السارد أفعال مسروده من أعلى دون اعتبار لحالته النفسية التي دفعته لهذا الفعل أو ذاك. ولعل هذه المقبولية متأتية من البون الشاسع بين تاريخ السردين.
تصحيح الإحالة
نقصد بالإحالة ذلك المشار إليه، المعنيّ، المدلول، المقصود من الدوالّ أو الإشارات المذكورة في نظام لغوي معين. ولكل نظام إحالاته الخاصة به الناتجة عن التجربة البشرية، والتعاطي مع الدوالّ أو الإشارات. وقد يختل نظام الإحالة نتيجة لاختلاف المرجع الذي يَؤول إليه كل مؤوِّل على حدة. اجتهد السارد الثاني (سلطان) في أنْ يصحح الإحالات التي قد تُفهم على غير ما أريد من وضعها أول الأمر مع السارد الأول (اليحيائي)؛ فـ”شيراز” التي “فكر بها سلطان أول ما فكر” ليست “مدينة الحب والشعر والنبيذ التي في إيران”، بل هي “حقل نخيل كثيف الظلال”. وحين وصف اليحيائي البيت بالعتاقة، أصر الرماح على جدة البناء، ولم يكتف بذلك، بل سخر من وصف السارد بأن ذلك الوصف “لا ينطبق إلا على بيت ينتمي، ربما، إلى مئة سنة مضت، أو لا ينتمي إلا إلى خيال كاتب تلك القصة، خياله الذي يمكنني وصفه بالمشوش”. ثم مجددا ينفي سلطان حقيقة السرد الأول الواصف لسريره؛ فهو “سريري الذي لا يشبه كاتلي الصاج القديم الذي في القصة آنفة الذكر”. ولعله من واجب السارد الثاني أن يدفع أي ظن بسلطان، الوريث الوحيد لمجد الرمّاحين؛ فهو لم ينو اقتفاء أثر شيراز طمعا في استعادة مجد ضائع، بل كان حلمه متعلقا بمجموعة فتيات يداعبنه. سلطان الرماح إذن زير نساء “ليس من النوع الذي يمكن أن يصبح زوجا في يوم من الأيام”، ولا سلطانا.
إن تدخل سلطان، أو ثورته، لم تكن ناشئة من العبثية التي تمتع بها السارد الأول، بل هو تدخل مشروع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من “النهاية السريعة والمفاجئة للقصة”، ولأجل “اقتفاء أثر جدي الأول سلطان الرماح”. فإحساس سلطان بخداج القصة، ونقصان نموها على المستوى السردي أدّى إلى خطأ الإحالة في مسرح موت سلطان الرماح الأول، وبالتالي ضياع أثره بين شيراز الإيرانية، و”شيراز” حقل النخيل الكثيف.
***
إن الإشارات السردية آنفة الذكر لا تترك لي سوى تساؤل بريء؛ مفاده: هل كانت القصة الثانية، يا ترى، شيئا غير محاولة لصنفرة سرد أوليّ لكن بحيلة سردية ذكية؟ إن اليحيائي سارد متمكن، استطاع منح القصة التي رآها غير مكتملة أهمية كبيرة بربطها بقصة أحكم سردا وتماسكا.

29 ديسمبر 2015

المستمع/المغني

كان لذلك المقطع الغنائي الذي أرسله لي ذات صباح الصديق العزيز جدًا سليمان الحراصي - وقع سحري لا يزال أثيره يخيّم عليّ كل يوم، وكل ليلة. ولاء الجندي، اللبنانية الشابة التي شاركت في برنامج "أحلى صوت" (النسخة العربية من The Voice)، غنّت أبيات أحمد شوقي الشهيرة "مضناك جفاه مرقده" ملحنةً بألحان العظيم محمد عبدالوهاب.

ساءلت نفسي: لماذا كلما أستمع لهذا المقطع بالذات أشعر أني أسمعه لأول مرة؟ لماذا في كل مرة تتملكني هذه الكلمات؟ لماذا لا تفقد هذه الأغنية بريقها في داخلي؟ لماذا الأغنيات الأخرى تتضاءل دهشتها في كل مرة؟ لماذا غيري لا يشعر بما أشعر به نحو هذا المقطع بالذات؟ لماذا للأغنيات وقع مختلف عند كل متلقٍ؟

دفعتني هذه السؤالات لأنْ أستمع لكل المقاطع الموجودة في يوتيوب لمُغنّين غنّوا الكلمات ذاتها؛ بدءًا بمحمد عبدالوهاب نفسه، أنغام، محمد حسين، رشيد غلام، أحمد جمال، عبدالله الرويشد، ساندرا حاج، وليس انتهاءً بحسين الجسمي. هدفت في كل مقطع استمعت له أن أختبر الدهشة، الشعور الغريب الذي لا يتضاءل مع أداء ولاء الجندي. وعلى الرغم من أن هذا الفعل الذي لم أخطط له مسبقًا، بل أتى هكذا كيفما اتفق، على الرغم من أنه أخذ مني حوالي الساعتين لكنني كنت مُستَفزًّا (ولعله قلق الوعي بجهل آلية عمل شعورٍ ما)، لذلك لم أترك الأمر يمضي وحسب.

توقفت في النهاية لأقول لنفسي: هناك ما يمتاز به أداء ولاء الجندي عن باقي المغنين - إنه تماثلي مع الأداء، وفنائي مع ذلك الصوت في عالم المضنى الذي خلقته قصيدة شوقي. نعم لعبدالوهاب الفضل الأكبر في التلحين، لكن يبقى لأداء ولاء الجندي فضلُ المحافظة على الدهشة لديّ. أعني بالتماثل مع الأداء هو استجابة المُغنّي للحن المستمع؛ إذ يغدو هو المغني والملحّن (تماما كفكرة رولان بارت في أن القارئ يصبح كاتب النص). وكلما استطاع المغني أن يواكب اللحن والأداء عند المتلقي فإن الأخير يشعر بالدهشة (ولعل هذا راجع لتحقق الذات لديه من حيث إنه يريد أن يكون ملحن ومغني هذه الأغنية، فعندما يستجيب له المغني بأنْ يغني كما يريد هو فكأنه يقلده، وبذلك يعطيه إذن الغناء!). بدليل أني صرت أتحيّن وصول المغني للبيت "بيني في الحب وبينك ما لا يقدر واشٍ يفسده" لكي أتحقق من أدائه له جيدا كما أريد أنا! (وقد اقترب الرويشد جدًا من أداء ولاء لكنه لم يماثلني/يماثلها)

محمد عبدالوهاب:
https://youtu.be/kMf0e7r4ETc
ولاء الجندي:
https://youtu.be/fGaMMHPkjPg
عبدالله الرويشد؛
https://youtu.be/vlAi2HzJjo8

2 أكتوبر 2015

بصقةٌ تجاه القِبلة

عندما عاد إلى سيارته، اكتشف أنه تركها مفتوحة بعد نزوله القصير إلى المسجد. "على العموم، لن يريد أحد سرقة خردة". كان أشجع قرار اتخذه تلك الليلة أن يتوقف حالا عما كان يفكر بإعادة النظر فيه.
"اللعنة على كل ما فكّر العالم به يومًا، هل كان يظن أنه سيخفف من حيوانيته ويرتقي سلم الإنسانية؟ هل هناك سلم أصلا؟ هناك فقط وديان ذوات صخور مدببة".
***
بدا له منظر المدينة وهي مغمورة بأفيون الشعوب، مثلَ سمكية سطحية؛ لا هي تقدر على احتمال ضغوط العمق، ولا تستطيع التخلص من ربقة الماء، وتعلم جيّدا أنها صيدة سهلة كذلك.
اعتاد أن يُسلّي نفسه المتشظية أثناء نزواته بالتجوّل كيفما اتفق في المدينة. رأي مسجدا فقال مُحدّثا نفسه "الملاعين، يعبثون بأموال الدولة في كذبة عمرها ألفا سنة على الأقل!"، وفي الأثناء اشتمّ رائحة خبيثة لم يعرف مصدرها، لكنه تذكر مقولة صديقٍ له "بعض الأفكار مُنتنة لدرجة أنك تشمّ لها رائحة حقيقية".
تذكّر وصية صديق آخر، التائه هو الآخر، حينما قال له: "أنت الآن لستَ متأكدا من أي شيء". فكّر في أنه قد يكون مخطئا في عبارته الأخيرة، ويكون هو "الملعون" حقا لا هم.
اختار وقتا تكون فيه المساجد خالية، بين المغرب والعشاء، ليُبقي على خط عودة قائما في حال تبيّن له وهمُه في وقت لاحق.
***
مُطَأطَأ الرأس دخل حوش المسجد وكأنه يعتذر لله على فعل، وسيفعل. حرص على تقديم رِجله اليمنى منذ أن نزل من السيارة، لكنه لم يقدر حجم الخطوات اللازم لكي يضمن له ذلك. وجد رِجله اليسرى تتقدم العتبة. "لا بأس، الله لا يحفل كثيرا لهذا الأمر". ومضى نحو المواضئ.
توقف أمام إحدى الحنفيات، وأخذ يجسّ مثانته. قدّر أنها ممتلئة، وربما ستُضايقه في صلاته، فتوجّه نحو الحمّامات. اختار حمّاما إفرنجيا؛ فهو يضمن لك انحاءة أقل من الحمّام العربي. بينما جهاز الإخراج يعمل بكفاءة، جلس يُراجع كيفية الصلاة، عدد الركعات، ما الذي سيقرؤه. حسنًا، هو لا زال يتذكّر كل شيء، ومستعد للمواجهة.
نهض بعد أن نظّف نفسَه، واستدار ليضغط على السيفون، لكنه لا يستجيب كما ينبغي. "اللعنة، أصلِحوا حمّاماتكم!". رفع غطاء وعاء الماء السيراميك ليضغط بإصبعه مباشرة؛ لعل القطعة الخارجية فقط هي المشكلة. انتبه لشيءٍ ما غريب يتدلّى من طرف الغطاء، لكن انشغال فكره بالمواجهة كان أكبر من أن يعطيه الفرصة كي يفكر في أي شيء آخر، لذلك كان يعمل بآلية.
رفع الغطاء فانبعثت رطوبة في أنفه، سببها ملابس داخلية تشرّبتها دماء خطيئة.
ما عاد يهمه تصريف ما تبرّزه بقدر ما تصوّر شبق المُخطئين، لذة الفاعل، وألم المفعول. انتشاء الفاعل، وربما المفعول. وأين؟ حمّام مسجد!
***
أعاد الغطاء إلى مكانه، وصفق باب الحمّام وراءه، وبصق تجاه القِبلة، عائدا إلى سيارته.