وريقاتي

Powered By Blogger

2 أبريل 2016

في أن تلتقي سليمان الحراصي

بم كان يفكر ذلك الفتى، الذي ولدته الجبال في فجر خريفي في خصب، عندما صادف أن يكون في مصفوفة أصدقائه رجلٌ لم تلده الجبال في فجر خريفي في تلك القرية التي تلعب دور المختبئ في جلباب الحجارة. ما الذي كان يدور في خلد صاحب الشارب الطارّ حديثا، واللحية التي اكتشف العالم لاحقا أنها لن تدوم طويلا، كحال بقية الأشياء في حياته.

إن هذا الرجل يُبدي أُلفةً جذّابة، بابتسامته الفاتنة التي أغوت ما يقرب من نصف إناث كلية الآداب، ونيّف من بقية كليات الجامعة اللواتي اصطدمن به في فعالية أو أكثر. ابتسامته الخَجلى تشعر أنها تستقر عند خاصرتك، لا ترتفع حتى إلى وجهك حياءً. طريقته في المصافحة تختلف؛ فكلما كنت قريبا زاد ضغطه تعبيرا عن حرارة العاطفة. حديثه مع أي شخص يأخذ مسارا واحدا في كل مرة؛ في كل مرة يكون الآخر هو محور اللقاء. هو -لغايةٍ في نفسه- يجعلك تشعر بأنك متفرّد، ومختلف عن الآخرين. شخصيته هذه، جعلت الفتى، وأجزم أن غيره كثيرون، يبوح أمامه بأخص الدقائق في حياته. وبينما يكون في حالةٍ كهذه، يشعر بشيء غير مفهوم: لا هو شعور التعرّي أمام أحدهم، ولا هو شعور الارتياح من البوح. ميزته هذه جعلته غامضا على الرغم من ظن الكثيرين أنهم يعرفونه جيدا. الفتى نفسه ليس متأكدا من أنه يعرفه جيدا. ما الذي كان يبصره هذا الفتى عندما رأى ذاك الرجل؟ إنه لا يدري كيف عرفه. لقد كان ذلك فحسب. وبعدما حدث التعارف، لم يعد ذلك الفتى السلفي سلفيا، ولم يعد يبصر فحسب؛ فقد بدأ بأنْ يرى. عندما يتأكد ذلك الرجل من صفاء سريرتك (مع أنه لا مشكلة لديه في أن تكون ديوثا طالما أنه لا يطلق عليك "صديقي") فإنه سيؤوّل كل فعل يبدر منك، مهما كان خليعا، تأويلا يجعل منك ملاكا، وفي أسوأ الأحوال: هي نزوة عابرة. لم يشكل إلحاد الفتى فارقا كبيرا في محبته له، كما لم تفعل سلفيته السابقة ذلك؛ فبقي صديقا، و ظِلًا صادقا. لم تبدر منه نأمةٌ إزاء تركه للصلاة، مع محافظته الشديدة على أدائها في وقتها. لقد كان نعم الخِلّ عندما ارتمى الفتى في حضن أم الخبائث بحثا عن حبه الذي تتقاذفه الريح، ولم يجده. لقد أهدى ذاك الرجل ذلك الفتى عطر "أندلس" التي توقفت شركة أمواج عن صناعته. إن الفتى يحب أن يعطّر أباه به ويقول إنه هدية ذلك الرجل النادر. إن الفتى يشعر بالارتياح بالقرب من هذا الرجل، ولا يحتاج الكلمات لتُفهَم حالُه.

ها قد عاد الفتى إلى جباله في الشمال، ولا زال ذلك الرجل عالقا في شوارع مسقط، يقطعها من الخوض حتى الغبرة صباحا، ومن الغبرة إلى الخوض عصرا. لكن دون أن يكون في انتظاره فتًى يعاقر الكرك صباح مساء. الحق أنه أصبح لا يقارعها صباح مساء. إنه، حاليا، يكتفي بواحد ليومٍ أو أكثر. 

29 مارس 2016

قولة في المجتمع المدني

يطرح برتراند راسل، في كتابه "الفرد والسلطة"، جدلية العلاقة بين هذين الطرفين. أقول "جدلية" لأنها مطبوعة بذلك منذ نشأتها؛ فالفرد والسلطة في حال صدام مستمر فيما بينهما. منشأ هذا الصدام هو الاستلاب المرضيّ عنه لجزء من حرية الأفراد لصالح بناء كيان كبير، من مجموع تلك الحريات يُفترض به حماية الأفراد من قتال بعضهم لبعض. يرى راسل أن التقاتل غريزة أصيلة في الإنسان، أو فلنقل بلغة فرويد "دافع غريزي" على اعتبار مراعاة اختيار الأفراد لأفعالهم في مقابل الجبر الذي توحي به كلمة "غريزة" وحسب. تلك الدوافع التي وفت في بقائها مع الإنسان على الرغم من انتقاله من الغاب إلى الكهوف، في رحلته للحفاظ على نوعه، بسبب تطور مهاراته في استخدام يديه. ومع تمدّن الإنسان، فإنه بات يعدّل من الأشكال التي تنتج من دوافعه الغريزية تلك؛ فابتكر مثلًا التنافس الأولمبي، بمختلف رياضاتها، لينفّس عن دوافعه الخبيئة في التنافس والاقتتال.

إن هذا التعديل لدوافع الاقتتال نشهد له نظيرا على مستوى العلاقة بين الفرد والسلطة. فمن منطلق أن وظائف السلطة الرئيسة هي المحافظة والطمأنينة والعدل، فإنها ستدفع الأفعال التي تهدد المحافظة والطمأنينة. وبالمقابل، فإن من طبيعة الفرد أن ينزع إلى الإبداع والتجديد، وهو ما يتعارض صراحةً، من حيث المبدأ، مع وظيفة السلطة/الدولة؛ فينشأ الصدام بينهما. ولما كان لزامًا أن يتعدل شكل الصدام، ليأخذ شكلا آخر غير دموي -إن جاز التعبير-، شكلا متمثلا في مؤسسات المجتمع المدني.

على هذا، يمكن تعريف هذه المؤسسات بأنها وسائط بين الأفراد والسلطة، ليس ذلك فحسب؛ فهي كذلك -على حد تعبير الشبستري- جماعات ضغط على السلطة لتحقيق نزعة الأفراد المتمدنين في الإبداع والتجديد في مجال الحريات بالمقام الأول. لذلك كان لزامًا على هذه المؤسسات أن تأخذ شرعيتها من المجتمع أولا، لتحمل قضاياه وإبداعاته وتحققها، وتدافع عنها في وجه السلطة إن تطلب الأمر ذلك.

هنا، أستحضر قولة فيصل العامر "كل حراك ثقافي لا ينتمي للشارع هو مشروع عاجز". والحق أنه يمكنني أن أحوّرها لتكون: كل حراك لا ينطلق من الشارع فلا مُعوَّل عليه. لكن السؤال هنا، هل الشارع على وعي كافٍ ليأخذ المبادرة تجاه قضايا الحرية؟

شخصيا أرى أنه تم تسطيح وعي الأفراد من خلال ما يتعرضون له في الإعلام، ويستقبلونه في المناهج التعليمية. فلا نكاد نستمع إلى إذاعة محلية حتى تتقزز من سطحية الحوارات التي تمتد لساعة على الأقل، بينما البرامج الجادة لا تطول لأكثر من ربع ساعة. أما المناهج التعليمية فلا تقترب ناحية المسكوت عنه مكرسةً بذلك مستوًى مرضيًا عنه من الوعي الزائف، حتى إننا لا نستطيع إطلاق هذا المصطلح على هذه المعرفة؛ حيث إن الوعي هو إعمال للفكر في القضية المُدرَكة، بينما الحاصل أنه تلقين مُغلَّف بما يشبه التبرير. كل ذلك بعيدًا عمّا يستفز الوعي حقيقةً ليتّسع، وبذلك تكون السلطة وفيةً لوظيفتها في المحافظة والطمأنينة. فيبقى السؤال المطروح؛ أين دور مؤسسات المجتمع المدني في خلق وعي الأفراد؟

شخصيًا أرى أن الدور الأول الذي ينبغي على تلك المؤسسات أن تقوم به هو ترميم الوعي المُسَطَّح لدى الأفراد عن طريق استفزاز وعيهم بالثقافة الحقوقية والسياسية، من ثم نستطيع أن نتحدث عن دور حقيقي لمجتمعٍ مدني.

29 يناير 2016

الحرية المسروقة

"أنا رجل (هكذا يفترض) عشريني ممتلئ قيحا، استنفد كل فضيلة ممكنة في سنواته الثلاث ما قبل الجامعة. الحقيقة أنها أبغض السنوات على الإطلاق رغم أنها (كما يقول) وضعت إحدى قدمي في نعشي، فيما تكفلت سنوات الجامعة بوضع القدم الأخرى فيه. أقصد بالنعش حياتي التي اكتشفت أنها لم يعد فيها ما يمكن أن يكون جديدا. النعش وطن ترَفيّ غير متوفر فوق كوكب الأرض، لعل تحتها واحد، لا يشترط فيه النزوع إلى الكمال، يكفي الوجود. لقد تلكأت غير مرة قبل أن أقرر إن كانت بغيظة فعلا، إلا أني استقر بي القرار إلى البغض بحجة أنها كرة حديدية من تلك التي رأيتها في صغري مربوطة إلى أقدام المسجونين في الأفلام الكرتونية. إني متورط بها، إنها تعيق تحركي. تهدد هويتي. أخشى إن ذهبت إلى الحداد وتخلص منها أنْ يخطئ الحداد فيبتر قدمي لأبقى طوال حياتي بلا قدم. كم اعترفت لنفسي أن ذلك لا يعدو كونه وسوسة أوهام المجتمع، وأن علي التفرد واتخاذ سبيلي دونه. كم رددت أن على الناس أن يتخلصوا من العلاقات التي أوهموا أنفسهم باحتياجهم لها. هي علاقات مدارها حول فلك الحفاظ على امتداد النوع البشري ومكافحة الفناء. لكن ماذا إذا انفرط عقد الفلك وتداعت أجرامه على صفحة الوجود؟ حينها لن يكون ثمة دافع أو معنى من هذه العلاقات، حينها فقط سيكون المرء حرًا في اختياراته، متحررا من عقد الذنب عندما يحدق في صدر عشرينية يفور منها الشبق، غير مكترث لرأي من يكشفه وهو يأخذ قياسات مؤخرة امرأة أخرى تبث منحوتات الله أمام عينيه، قادرا على استيقافها وإخبارها بمدى فتنتها وإعجابه بها (مع تأكيده على عدم علاقة ذلك بالحب من قريب أو بعيد). حرا بتمكنه من تعريتها انتقاما من رجولته المستفزة، ومضاجعتها افتراضيا. حرا كي يتمكن من رفع أوسط أصابعه في وجه كل سخافة يراها في الشارع. تلك الكرة الحديدية خفّت في سنته الجامعية الثانية عندما بدأ اكتشاف شيئه وسوائله، خفت أكثر بمراقبته لعود السيجار المشتعل دون أن يسحب منه نفس واحد، وأكثر عندما غزا الدخان رئته الوردية ثم نام بلا مشاكل، وأكثر كثيرا عندما أدار الكأس بيده قبل أن تلسعه لذعته. (قال لي مرة:) ماذا سيبقى لي لو تحققت أحلامي تلك سوى ألا يبقى لي شيء فوق الكوكب؟ يريد ألا يكون عليه واجب تجاه أحد (على افتراض أنه حر تماما)، ولا ينتظر منه أحد شيئا. وفي المحصلة: أنا حي بحياة أحلامي، وأبقى ثابتا بثقل كرة الحديد هذه (ويشير بأصبعه إلى واحدة افتراضية)"

هكذا يُشعرني صديقي بالضجر منه؛ فطبلة أذني -كباقي طبلات آذان البشر- من حقها ألا تسمع الهراء.

ملاحظة/ ما بين القوسين زيادة مني.

13 يناير 2016

القراءة.. فعل تأويل الموجودات

يشكل كل فعل قراءة فتحا جديدا، يوسّع الوعي تجاه الموجودات اعترافا بها، وإدراكا، وتفسيرا. هذا "الفتح" بمثابة هدوء النفس إزاء قلقها من المجهول الذي يكتنف الموجود المُعتَرف به. هو فتح لأراضٍ توسّع الوعي فيها، فاشتملها. يظهر على السطح هنا تساؤل: ما "القراءة" المقصودة؟ وكيف يمكن لها أن توسّع الوعي؟

أخذًا بلحاظ السياقات التي تُستخدم فيها لفظة "القراءة": قراءة الواقع، الموقف السياسي، المستقبل - ينكشف لنا أن المعنى المراد لم يعد ذاك الواقف على حدود فك الرموز المرسومة الدالة على مدلولات مُصطلح عليها. إن الأمر يتعدى ذلك إلى النظر في التعالقات بين الدوال تلك، والنظر فيها على أنها عناصر في نسق نظاميّ معرفي، يعكس هذا النسقُ بنية عقلية تقف خلف المقولات، يمكن تسميتها "اللامقول" على غرار "اللاوعي". وبالقياس نفسه، يكون اللامقول أكثر من المقول المتلفَّظ به. في هذه المنطقة ينشط فعل القراءة، مُحدِثًا سلسلة من الإحالات والتأويلات. 

إن كل قراءة هي فعل تأويل. فكما أن النص غير بريء من الدلالات التي يحملها، كذلك القارئ غير بريء من الدلالات التي يصنعها. أليس القارئ يأتي إلى النص مُحَمَّلًا بحَمولات معرفية تكون بمثابة مرجعية تأويلية للمقروء، بوعي أو بلا. ليست هناك قراءة تنطبق مع مُراد الكاتب تماما. عليه، تظهر على السطح إشكالية وجود الموضوعية في القراءة. هل هناك موضوعية حقيقية في هذا الفعل؟ إذا عنينا بالموضوعية أنها توافق فهم القارئ ومراد الكاتب، فإنه برأيي، ليست هناك قراءة موضوعية. فالموضوعية تتطلب فصلًا بين ذاتية القارئ إزاء ما يقرأ، وهذا يعني إقصاءً للذات الواعية التي تَشكّل وعيها تحت ظروف معينة، وبعد قراءات متباينة. تغدو الذات غير الذات بعد سلسلة البحث والتساؤل، التي يسميها فوكو "الروحانية"، إذ تتطهر  بعملية القراءة ويعاد تشكيل الذات. إن ذات كل واحد منا توصف بحصيلة بحثها وتحصيلها؛ فأحدنا قد يجمع النبي محمد وأفلاطون ونيتشه والجابري والكندي وابن سينا - بمقدار ما قرأ. فنحن لسنا أنفسنا تمامًا. إن القراءة تحمل خطيئة التأويل بالضرورة، لكن خطيئة ادّعاء انفصال الذات أثناء فعل القراءة أعظم افتراءً.

نعني بالتأويل هنا نظام الإحالات الذي يبنيه القارئ في محاولة لفهم المكتوب. ولكن، كيف نضمن أن نظام الإحالة هذا سليم، أو أنه فعلًا يُحيل إلى ما أراده الكاتب؟ افتراضًا أن فعل القراءة السليم هو الذي ينسجم ومقصد الكاتب، فيكون فعل القراءة (التأويل) السليم هو الذي يتناغم مع فكر الكاتب، وهذا يتطلب تتبعًا لاهتمامات الكاتب من قضايا وقراءات ونشاطات. ليصبح فعل القراءة مهمة صعبة، والأحكام أقل تقريرية، وبالتالي أقل حدّة، أكثر قبوليةً للآخر. وهذا عين الوعي الذي نشدناه في البداية.

10 يناير 2016

السارد المسرود في تجربة محمد اليحيائي

جريدة الزمن

١٠ يناير ٢٠١٦

إنما السرد هو ذاك الذي يجمح في عالم الخيال، تلك القدرة المهيبة على صنع المعنى عند الإنسان، ذلك البعد المختفي خلف كل الموجودات المدرَكة. واللغة، بما هي أداة تصنع الفكر، على رأس تلك الموجودات. وإذا كان عالم النفس السويدي فرانكل قد أفصح بأن شغف الإنسان الأوحد متثمل في صنع المعنى لوجوده، فإن السارد، بالتالي، يقوم بدور الخازن على الحياة، المؤتمن على أرواح الناس الشغوفين بالأدب على الأقل، بما يخلقه من عوالم تخييلية، لا تمت إلى الواقع بصلة، كما أنها ليست غريبة تماما عليه؛ فهما (الواقع والخيال) في علاقةٍ مشبوهةٍ بين المحايثة والمفارقة، علاقة تجعل السارد نبيا موحى إليه بصوت متعال.
اعتدنا رؤية محاكمة القارئ إما للسارد، وإما -وهذا في أحسن الأحوال- للنص. وهذا الأمر أصبح طبيعيا في العلاقة بين السارد والقارئ، النبي -أو مدّعيها- وجمهور المتلقين. أما أن يتمرد السرد على سارده، أن يثور مؤمن على نبيه، أن نرى محاكمةً، بل خروجا تاما على المتفضّل بنعمة الخلق والإيجاد، خلق الشخوص والأمكنة والأزمنة، فهو مصدر دهشة لا تنطفئ نارها بسرعة. هذا بالضبط ما فعله محمد اليحيائي في نصيه: الأول “سلطان الرماح” المنشور في مجموعة “يوم نفضت خزينة الغبار عن منامتها” (المكتوبة بين 1995-1997)، والآخر “سلطان الرماح يسرد حلما أفسدته مياه حلم سارد آخر” المنشور في مجموعة “طيور بيضاء، طيور سوداء” (المكتوبة بين 2000-2004)، وقد نشرت كلتا المجموعتين، بالإضافة إلى مجموعة “خرزة المشي”، في كتاب واحد حمل اسم “نزهة مارشال”، صدرت عن دار مسعى البحرينية، 2016.
مجمل الحكاية أن سلطان الرماح، المخلوق للسارد محمد اليحيائي، قد ثار، بعد اثنتي عشرة سنة، في القصة الثانية على سارده/خالقه، غيرَ راض عن الطريقة التي تمت التضحية به من خلالها، حسب تعبيره، مقررا أخذ راية السرد ليسرد حقيقة ما جرى في القصة الأولى. هنا، يحق لنا أن نتساءل: لماذا قد يعود السارد إلى نص عمره أكثر من عشر سنوات ليعيد النظر فيه، وهي مخاطرة كبيرة أن يحاول ذلك؟ ما الذي فاته قوله في المرة الأولى ليحمّل –مجددا- بطله قضية تعديله؟ أم أنها مجرد حيلة سردية لجذب القارئ؟ ما المختلف في القصة الجديدة؟
العنوان
إذا وقفنا عند عنوان كلا النصين نستطيع استجلاء إشارات سردية تدل على طريق السارد في عمله. فـ”سلطان الرماح” يعود، بعد اثنتي عشرة سنة، لـ”يسرد حلما أفسدته مياه حلم سارد آخر”. إن الدلالات تتهاوى تبعا للعنوان الأول؛ فدلالات السلطة والرئاسة تصطف خلف كلمة “سلطان”، ودلالات القوة والقهر والسطوة تصطف هي الأخرى خلف “الرمّاح”، هذا على اعتبار قصدية السارد في اختيار عناوينه وأسماء شخوصه، ويؤكد ذلك أن “سلطان الرماح الأول” حينما مات أعلن نهاية رجل “دوّخ الدولة”. إذن هناك حُلمان: أول رآه سلطان، وثان رآه السارد. لكنه سارد “آخر”، في محاولة للتملّص من خطيئة السرد الأول. وهذه سنة سردية عربية قديمة يتبرّأ الكاتب من خلالها من نصه بأنْ يُحيل نص السرد لآخر، عادة ما يكون مجهولا إما بصيغة التمريض (المبني للمجهول: يُحكى، قيل)، وإما بالإضمار (سمعتُ، أخبرني)، وإما بالإحالة إلى راو مجهول (عيسى بن هشام، هلال بن إياس).إننا نقف هنا إزاء احتمالين: الأول أن يكون اليحيائي متبرّأ من سرده ذاك، لكن ليس تماما؛ إذ لا زال سلطان الرماح خليقة اليحيائي الذي يحكي عنه أنه “يسرد حلما أفسدته..”. والاحتمال الآخر أن “السارد الآخر” المقصود هو اليحيائي مُنكَّرًا غير معرَّف، ويوصف بأنه “آخر”. هكذا بكل ما تحمله كلمة “آخر” من دلالات العداء والاختلاف، في مقابل الأنا الشريفة، وبذلك يكون السارد هو سلطان نفسه، لكن مسموحا له بأخذ السرد من يد، ومن قِبل، اليحيائي. في القصة الأولى، أتبع الساردُ العنوانَ بقولة لأنطونيو ماتشادو: “أيها السائر ما من طريق.. تتحدد معالم الطريق بمقدار ما تمشي”. إننا أمام سلطان/ رجل سلطة، سائر في طريق تتحدد معالمه بمقدار ما يمشي. يأتي اليحيائي لا لينفي وجود طريق يرقها سلطان، بل –على الأرجح- أنه ينفي صحة ظنون ذلك السائر في سبيل السلطة (أو الحب كما سيتضح لاحقا).
ولكن ما المياه المذكورة في العنوان التي أفسدت حلم سلطان الأول؟ لا شك أنها مياه السارد الأول الجارفة أو هي المياه التي ضاع فيها السرد وتموّه، وأصبح شيئا غير واضح/ناضج.
السارد واجدا موجودا
إن سطوة السارد العليم في القصة الأولى تخف، حتى تكاد تتلاشى مع الدهشة الناشئة من ثورة “سلطان” على اليحيائي؛ إذ ينتقل الخطاب من لسان الغائب (كان سلطان، بلغ، طريقه..) إلى لسان المتكلم (أُدعى، أبي، مُبتكري..)، فيصبح السارد موجودا بعد أن أصبح واجدا، والواجد موجودا. ورغم الانقلاب على مستوى الخطاب ذاك، إلا أن المسرود الأول (سلطان) حينما تسلم راية السرد فإنه لم يفعل سوى رد فعل حانق على طريقة سرد السارد الأول (اليحيائي)؛ فاليحيائي لم يدفعه للسرد “سبب أو مبرر واضح سوى رغبته، ربما، في ساعة ضجر وبرم بالحياة، في كتابة قصة قصيرة”، فاللاجدوى الدافعة أنتجت سردا مغالطا عليه تصحيحه بسرد مواز. يتضح الانقلاب السارديّ حينما وُصف سلطان حينما استيقظ بـ”منقبض السريرة” في السرد الأول، بينما أكّد على انفراج سريرته في السرد الثاني، بل وبرّر الانفراج ذاك بما لا يدع مجالا للشك فيه. ردة فعل الشخصية البطل هذه تشير إلى وعي السارد بمطلقية قدرة الكاتب على الخلق، ومن ثم تسيير المخلوق كما يهوى حتى وإن كان على حساب طمس إرادة الشخصية وتضييق خناق احتمالات تصرفاتها في مصفوفة أحادية من القدر يوجدها الكاتب. ولذلك بدا صوت السارد الثاني (الذي سرد بعد اثنتي عشرة سنة) أكثر مقبولية كونه يقف خلف الشخصية لا فوقها كما في السارد العليم في القصة الأولى؛ فهو يدفع بالأحداث حدثا حدثا، ويبرر تلك الأحداث مفسرا الحالة النفسية التي أنتجت الحدث، بينما على الطرف الآخر يراقب السارد أفعال مسروده من أعلى دون اعتبار لحالته النفسية التي دفعته لهذا الفعل أو ذاك. ولعل هذه المقبولية متأتية من البون الشاسع بين تاريخ السردين.
تصحيح الإحالة
نقصد بالإحالة ذلك المشار إليه، المعنيّ، المدلول، المقصود من الدوالّ أو الإشارات المذكورة في نظام لغوي معين. ولكل نظام إحالاته الخاصة به الناتجة عن التجربة البشرية، والتعاطي مع الدوالّ أو الإشارات. وقد يختل نظام الإحالة نتيجة لاختلاف المرجع الذي يَؤول إليه كل مؤوِّل على حدة. اجتهد السارد الثاني (سلطان) في أنْ يصحح الإحالات التي قد تُفهم على غير ما أريد من وضعها أول الأمر مع السارد الأول (اليحيائي)؛ فـ”شيراز” التي “فكر بها سلطان أول ما فكر” ليست “مدينة الحب والشعر والنبيذ التي في إيران”، بل هي “حقل نخيل كثيف الظلال”. وحين وصف اليحيائي البيت بالعتاقة، أصر الرماح على جدة البناء، ولم يكتف بذلك، بل سخر من وصف السارد بأن ذلك الوصف “لا ينطبق إلا على بيت ينتمي، ربما، إلى مئة سنة مضت، أو لا ينتمي إلا إلى خيال كاتب تلك القصة، خياله الذي يمكنني وصفه بالمشوش”. ثم مجددا ينفي سلطان حقيقة السرد الأول الواصف لسريره؛ فهو “سريري الذي لا يشبه كاتلي الصاج القديم الذي في القصة آنفة الذكر”. ولعله من واجب السارد الثاني أن يدفع أي ظن بسلطان، الوريث الوحيد لمجد الرمّاحين؛ فهو لم ينو اقتفاء أثر شيراز طمعا في استعادة مجد ضائع، بل كان حلمه متعلقا بمجموعة فتيات يداعبنه. سلطان الرماح إذن زير نساء “ليس من النوع الذي يمكن أن يصبح زوجا في يوم من الأيام”، ولا سلطانا.
إن تدخل سلطان، أو ثورته، لم تكن ناشئة من العبثية التي تمتع بها السارد الأول، بل هو تدخل مشروع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من “النهاية السريعة والمفاجئة للقصة”، ولأجل “اقتفاء أثر جدي الأول سلطان الرماح”. فإحساس سلطان بخداج القصة، ونقصان نموها على المستوى السردي أدّى إلى خطأ الإحالة في مسرح موت سلطان الرماح الأول، وبالتالي ضياع أثره بين شيراز الإيرانية، و”شيراز” حقل النخيل الكثيف.
***
إن الإشارات السردية آنفة الذكر لا تترك لي سوى تساؤل بريء؛ مفاده: هل كانت القصة الثانية، يا ترى، شيئا غير محاولة لصنفرة سرد أوليّ لكن بحيلة سردية ذكية؟ إن اليحيائي سارد متمكن، استطاع منح القصة التي رآها غير مكتملة أهمية كبيرة بربطها بقصة أحكم سردا وتماسكا.